رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
في إطار رؤية عُمان 2040، يمثل مشروع شبكة السكك الحديدية الوطنية (قطار السلطنة) نقلة نوعية استراتيجية، تتجاوز كونه مجرد وسيلة نقل إلى أداة أساسية لربط المحافظات، وتعزيز التكامل الوطني، ودفع عجلة التنمية المستدامة. هذا المشروع الطموح، الذي يمتد لأكثر من 2135 كيلومتراً، يربط بين الموانئ الرئيسية (صحار، مسقط، الدقم، صلالة) والمدن والمناطق الصناعية والسياحية، مما يجسد رؤية السلطنة في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
يُعد القطار محركاً اقتصادياً قوياً، إذ يقلل تكاليف النقل بشكل كبير مقارنة بالنقل البري، ويعزز كفاءة سلاسل التوريد، خاصة في نقل البضائع بين الموانئ والمناطق الصناعية. كما يدعم تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، ويجذب الاستثمارات الأجنبية، ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات اللوجستيات والتشغيل والصيانة والصناعات المرتبطة.
الربط الشامل بين المحافظات يعزز التكامل الاقتصادي الداخلي، إذ يتيح للمنتجات الزراعية والصناعية في الداخل والجنوب الوصول السريع إلى الأسواق الشمالية، والعكس صحيح. وبهذا يحول عمان إلى مركز لوجستي إقليمي متكامل. والعائد المتوقع يشمل زيادة الإيرادات الحكومية، وتحفيز النمو في المناطق النائية، وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.
سياحياً، يفتح القطار آفاقاً جديدة، إذ يسهل على السياح والمواطنين التنقل بين المعالم الطبيعية والتاريخية في مختلف المحافظات (من جبال الحجر إلى شواطئ ظفار) بطريقة مريحة وآمنة وبأسعار معقولة. وهذا يطيل مدة الإقامة السياحية، ويوزع الاستفادة الاقتصادية على كافة المناطق، ويرفع من جاذبية عمان كوجهة سياحية مستدامة.
اجتماعياً، يعزز القطار الترابط بين المجتمعات، يربط العائلات، ويسهل الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية في المدن الكبرى، ويقلل من الهجرة الداخلية غير المنظمة نحو العاصمة. إنه أداة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، يخلق شعوراً بالوحدة الوطنية ويحسن جودة الحياة.
يأتي المشروع متماشياً تماماً مع طموح السلطنة في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050. فالنقل بالسكك الحديدية (خاصة الكهربائي) أكثر كفاءة بكثير من الشاحنات، مما يقلل الانبعاثات الكربونية بشكل ملحوظ، ويخفف الازدحام على الطرق، ويقلل استهلاك الوقود. وهذا يساهم في حماية البيئة، ويدعم أهداف رؤية 2040 في الاستدامة، ويعزز صورة عمان دولياً كدولة ملتزمة بالعمل المناخي.
قطار السلطنة ليس مجرد خطوط حديدية، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل عُمان المتصلة والمتكاملة والمستدامة. وبإنجازه، تؤكد السلطنة أن التنمية الحقيقية تبدأ بربط أبنائها ومواردها في شبكة واحدة نابضة بالحياة. وسيُسجل هذا المشروع في تاريخ عُمان كرمز للحكمة الاستراتيجية والرؤية الثاقبة.
حفظ الله عُمان وشعبها وسلطانها، والأمة العربية والإسلامية من كل سوء.


