بوصلة التحول من التمكين إلى التنافسية… رؤية تعيد تشكيل أولويات المرحلة القادمة

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ليست قوة الدول فيما تملكه من موارد فحسب، بل في قدرتها على قراءة الزمن وفهم اتجاهاته وإعادة تشكيل أولوياتها بما يتوافق مع استحقاقات المستقبل. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تكتفي بإدارة حاضرها بكفاءة، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الانتقال المستمر من مرحلة إلى أخرى، ومن منجز إلى منجز أكبر، ومن الممكن إلى الأكثر تأثيرًا واستدامة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة مخرجات اجتماع مجلس الوزراء برئاسة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بوصفها انعكاسًا لرؤية دولة تدرك أن المحافظة على المكتسبات لا تتحقق بالركون إليها، بل بتحويلها إلى منصات انطلاق نحو آفاق أرحب من الكفاءة والتنافسية والاستدامة.

ولعل أكثر ما يميز مخرجات هذا الاجتماع أنها لا تعكس تعددًا في الأولويات بقدر ما تكشف عن وحدة في الرؤية. فمن المرأة إلى التشغيل، ومن الاقتصاد إلى الأمن السيبراني، ومن الأداء المؤسسي إلى السمت العُماني، تتشكل معالم مشروع وطني واحد عنوانه الانتقال من بناء الممكنات إلى تعظيم أثرها، ومن توفير الفرص إلى رفع القدرة على المنافسة، ومن إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل.

وفي هذا الإطار، يكتسب القرار المتعلق بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة بمجلس الشورى دلالات تتجاوز الإطار الانتخابي المباشر. فالقرار في جوهره يعبر عن انتقال الدولة من فلسفة التمكين بوصفها سياسة اجتماعية إلى التمكين بوصفه خيارًا استراتيجيًا لتعظيم رأس المال البشري الوطني. فالدول الحديثة لا تُقاس بوفرة مواردها الطبيعية فحسب، وإنما بقدرتها على توسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار والاستفادة من مختلف الطاقات والكفاءات الوطنية. ومن هنا يأتي القرار ليؤكد أن التنمية لم تعد شأنًا حكوميًا، بل مشروعًا مجتمعيًا تشارك في صياغته جميع القوى الوطنية.

وليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا التوجه في ظل الاهتمام المتواصل الذي يوليه حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، والسيدة الجليلة – حفظهما الله – بالمرأة العُمانية وتمكينها في مختلف المجالات. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتعزيز الحضور النسائي في المؤسسات فحسب، وإنما ببناء نموذج تنموي يستثمر كامل الطاقات الوطنية ويعزز مبدأ الشراكة في صناعة المستقبل. كما أن تخصيص مقعد إضافي للمرأة في مجلس الشورى يحمل رسالة تتجاوز حدود التمثيل، مفادها أن المستقبل لا يُبنى بإشراك فئة دون أخرى، بل بتكامل الأدوار وتوسيع دوائر الإسهام الوطني في صناعة القرار ورسم السياسات العامة.

أما ملف التشغيل، فقد بدا في الاجتماع جزءًا من رؤية أشمل تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع. فالتشغيل في المفهوم التنموي الحديث لم يعد مجرد توفير فرص عمل، بل أصبح مؤشرًا على قدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة واستيعاب التحولات المستقبلية. ولذلك فإن التركيز على هذا الملف يعكس فهمًا استراتيجيًا يعتبر أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الوظيفة نفسها، وإنما من بناء اقتصاد قادر على توليد الفرص بصورة مستدامة، وتحويل الطاقات الوطنية إلى قوة إنتاجية تسهم في تعزيز التنافسية الوطنية.

وتكشف الإشادة بالجهود المبذولة في ملف التشغيل عن قناعة راسخة بأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي يبدأ من تمكين الإنسان وإتاحة الفرصة له للإسهام في دورة التنمية. فكل فرصة عمل لا تمثل رقمًا في الإحصاءات فحسب، بل تمثل استثمارًا في الاستقرار، وتعزيزًا للثقة، وتوسيعًا لقاعدة الإنتاج الوطني. ومن هنا يمكن فهم هذا الملف بوصفه جزءًا من مشروع بناء القدرة الوطنية، لا مجرد معالجة لتحدٍّ اقتصادي مرحلي.

وفي المقابل، يكشف الاهتمام باستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي عن بُعد آخر في الرؤية الوطنية، يتمثل في الانتقال من إدارة التنمية الاقتصادية إلى إدارة التحولات المجتمعية. فالدولة هنا لا تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها أدوات وتقنيات فحسب، وإنما باعتبارها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الوعي والقيم وأنماط التفكير. ولذلك فإن حماية النشء في البيئة الرقمية تعكس وعيًا بأن معارك المستقبل لن تكون اقتصادية فقط، بل ستكون أيضًا معارك مرتبطة بالهوية والمعرفة والقدرة على بناء أجيال متوازنة تمتلك أدوات العصر دون أن تفقد جذورها الثقافية والحضارية.

وفي جوهر هذا التوجه تبرز رؤية استباقية تدرك أن بناء الإنسان يبدأ قبل ظهور التحديات لا بعدها، وأن الاستثمار في الوعي لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية الأساسية أو المشاريع الاقتصادية. فالمجتمعات التي تنجح في المستقبل هي تلك القادرة على المواءمة بين الانفتاح على العالم وحماية منظومتها القيمية والثقافية.

وعلى مستوى الأداء الحكومي، يمكن قراءة الإشادة بالمؤسسات ذات الأداء المرتفع باعتبارها إعلانًا واضحًا عن ترسيخ فلسفة الدولة الكفؤة. فالتحدي الحقيقي أمام الحكومات الحديثة لم يعد في امتلاك الخطط والاستراتيجيات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. ومن هنا تتجلى أهمية الانتقال من ثقافة الإجراءات إلى ثقافة الأثر، ومن قياس الجهد المبذول إلى قياس القيمة المتحققة.

إنها رسالة تؤكد أن المستقبل سيكون للأكثر كفاءة وقدرة على الإنجاز، وأن التنافسية لم تعد مطلبًا للقطاع الخاص وحده، بل أصبحت معيارًا لنجاح المؤسسات العامة أيضًا. كما تعكس توجهًا نحو ترسيخ الحوكمة والمساءلة والارتقاء بالأداء الحكومي باعتبارها أدوات رئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وفي الجانب الاقتصادي، حمل إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي وهيئة الأصول الحكومية دلالات ربما تكون من الأعمق بين جميع مخرجات الاجتماع. فهذه القرارات تعكس انتقالًا من إدارة الموارد إلى إدارة القيمة. والفرق بين المفهومين كبير؛ إذ إن إدارة الموارد تركز على المحافظة على الموجود، بينما تسعى إدارة القيمة إلى تعظيم العائد من الموجود وتحويله إلى قوة اقتصادية مستدامة.

وفي هذا الإطار، تبدو هيئة الأصول الحكومية جزءًا من تحول عالمي في فلسفة إدارة الدولة، حيث لم تعد الأصول تُقاس بقيمتها الدفترية، بل بقدرتها على خلق فرص استثمارية وتحفيز النمو وتعزيز الاستدامة المالية. وهي خطوة تعكس نضجًا مؤسسيًا واقتصاديًا ينسجم مع طموحات رؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية.

وفي جوهر هذا التحول، يبرز إدراك متزايد بأن الثروة الوطنية لم تعد تُقاس بحجم ما تملكه الدولة من موارد فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وتحويلها إلى قيمة مستدامة. فالدول التي تتقدم في القرن الحادي والعشرين ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للأصول، وإنما الأكثر قدرة على توظيفها وإعادة إنتاج قيمتها الاقتصادية والمعرفية والتنموية. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات الفكر التنموي الحديث الذي ينظر إلى الموارد بوصفها إمكانات كامنة، لا تتحول إلى ثروة حقيقية إلا حين تُدار بكفاءة وتُستثمر برؤية بعيدة المدى.

كما أن التركيز على الأمن السيبراني يكشف إدراكًا متقدمًا لطبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. فالأمن لم يعد مفهومًا مرتبطًا فقط بحماية الحدود الجغرافية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحماية البيانات والشبكات والبنية الرقمية. ومن ثم فإن الاستثمار في الأمن السيبراني هو في جوهره استثمار في استدامة الدولة وقدرتها على حماية مكتسباتها التنموية في عصر أصبحت فيه المعلومات أحد أهم عناصر القوة الوطنية.

وإذا كانت الدول في الماضي تتنافس على الموارد والأسواق، فإنها اليوم تتنافس على المعرفة والبيانات والتقنيات. ولذلك فإن تعزيز الأمن السيبراني لا يمثل خيارًا تقنيًا فحسب، بل يعكس وعيًا استراتيجيًا بمتطلبات السيادة الوطنية في العصر الرقمي، وبأهمية بناء منظومة متكاملة تحمي الإنجازات الاقتصادية والمؤسسية وتضمن استدامتها.

غير أن أكثر الرسائل عمقًا في الاجتماع ربما تجلت في الإشادة السامية بالسمت العُماني. فهذه الإشادة تتجاوز الثناء على سلوك اجتماعي إلى التأكيد على أصل استراتيجي بالغ الأهمية. فالسمت العُماني، بما يحمله من اعتدال واتزان وعقلانية، يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الوطني، كما يشكل الامتداد الطبيعي للنهج السياسي والدبلوماسي الذي منح السلطنة مكانتها المتميزة إقليميًا ودوليًا.

وفي عالم تتزايد فيه حدة الاستقطابات والانقسامات، تصبح الحكمة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية. وتصبح القدرة على إدارة الاختلاف بعقلانية، والحفاظ على التماسك المجتمعي، وصون الخطاب الوطني المتزن، عناصر قوة حقيقية في بناء الدول واستدامة استقرارها. ولعل الإشادة السامية بهذا السمت تمثل في جوهرها دعوة للمحافظة على إحدى أهم ركائز الشخصية العُمانية التي أسهمت في ترسيخ مكانة السلطنة وصون استقرارها عبر العقود.

إن القراءة المتأنية لمخرجات اجتماع مجلس الوزراء تقود إلى استنتاج يتجاوز حدود القرارات ذاتها؛ وهو أن السلطنة تمضي نحو إعادة تعريف مفهوم التنمية الوطنية. فالتنمية لم تعد تُختزل في النمو الاقتصادي، ولا في التوسع المؤسسي، ولا في تحسين المؤشرات فحسب، بل أصبحت مشروعًا متكاملًا لبناء القدرة الوطنية في مختلف أبعادها الإنسانية والاقتصادية والمعرفية والثقافية.

ولهذا فإن جوهر الرسالة التي حملها الاجتماع لا يكمن فيما أُعلن من قرارات بقدر ما يكمن فيما تعكسه من رؤية؛ رؤية ترى في الإنسان أساس الثروة، وفي الكفاءة مصدر القوة، وفي الاعتدال ضمانة الاستقرار، وفي التنافسية شرطًا للمستقبل. ومن هنا تبدو عُمان وكأنها لا تدير استحقاقات مرحلة عابرة، بل ترسم بهدوء وثقة ملامح موقعها في عالم يتغير، مستندة إلى إرثها الحضاري، ومسترشدة برؤية قيادتها، ومؤمنة بأن بناء المستقبل يبدأ دائمًا من وضوح الرؤية قبل وفرة الإمكانات.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img