محمد بن زاهر العبري
التحرش بالأطفال ليس حادثة عابرة، ولا خطأً يمكن التغاضي عنه، بل جريمة تهدم براءة طفل، وتترك في نفسه آثارًا قد تمتد سنوات طويلة. والمؤلم أن هذه الجريمة لا تنتهي عند فعل الجاني، بل قد تستمر وتتكرر عندما يختار من حوله الصمت، أو التستر، أو تقديم سمعة العائلة على سلامة الأطفال.
فالمتحرش لا يحتاج إلى فرصة واحدة فقط، بل يحتاج إلى مجتمع يصمت، وأسرة تخشى المواجهة، وأشخاص يبررون أفعاله أو يقللون من خطورتها. عندها يصبح الصمت شريكًا للجريمة، لأن السكوت لا يوقف المعتدي، بل يمنحه الوقت والثقة ليبحث عن ضحية جديدة.
ومن أخطر الأخطاء الاعتقاد بأن المتحرش شخص غريب دائمًا، فالكثير من القضايا حول العالم تثبت أن المعتدي قد يكون قريبًا، أو صديقًا للأسرة، أو شخصًا يحظى بثقتها. لذلك فإن الثقة لا تعني إلغاء الحذر، ولا تعني ترك الأطفال دون متابعة أو توعية.
تخيل أسرة اكتشفت أن أحد أقاربها تحرش بطفل، لكنها قررت إخفاء الأمر حتى لا تتأثر سمعة العائلة أو تنقطع صلة الرحم. وبعد فترة، كرر الجاني فعلته مع طفل آخر. هنا لم تعد المأساة مسؤولية المجرم وحده، بل أصبح الصمت سببًا في استمرار الجريمة، لأن من علم وسكت منحه فرصة لإيذاء ضحية جديدة.
ولهذا، فإن الإبلاغ عن المتحرش ليس فضيحة، بل شجاعة ومسؤولية، وحماية لأطفال أبرياء قد يكونون الضحية التالية. أما التستر على المجرم، مهما كانت مكانته أو قرابته، فهو لا يحمي الأسرة، بل يحمي الجريمة نفسها.
كما أن مسؤولية الحماية تبدأ من الأسرة، بالحوار مع الأبناء، وتعليمهم أن أجسادهم ليست مباحة لأحد، وأن يرفضوا أي تصرف يزعجهم، وأن يتحدثوا دون خوف أو خجل. فالطفل الذي يثق بوالديه ويشعر بالأمان معهما هو الأقدر على طلب المساعدة إذا تعرض لأي أذى.
إن حماية الأطفال ليست خيارًا، بل واجب ديني وأخلاقي وإنساني. فلا مجاملة في أمن طفل، ولا رحمة مع من يعتدي على براءة الصغار، ولا مكان للصمت عندما تكون البراءة هي الضحية.
فلتكن رسالتنا واضحة: لا تتستروا على متحرش، ولا تصمتوا عن جريمة، ولا تسمحوا بأن يكون خوفكم من كلام الناس أكبر من حرصكم على حماية طفل. فالصمت لا يحفظ الكرامة… بل قد يصنع ضحية جديدة، ويجعل من الصامت شريكًا للجريمة.


