بقلم / الحكواتية والكاتبة ثمنة الجندل
للخريف حكايتان؛ حكاية يرويها الأوّلون، وحكاية نعيشها اليوم. وبين الحكايتين تتغير الوسائل، لكن يبقى الشوق للمطر كما هو.
كانوا زمان الأوّلين، إذا لمحوا بوادر الخريف فرحوا بها فرحًا كبيرًا، لكنهم ما كانوا يتحدثون عنها كثيرًا، ولا يتسابقون في نقل أخبارها كما نفعل اليوم. كانوا يراقبون السحب من بعيد، ويشمّون رائحة الأرض، ويتأملون حركة الرياح، ثم يتركون الأمر لله، وكأن بينهم وبين الخريف سرًا جميلًا لا يُباح إلا بعد أن يثبت حضوره.
ولم يكن هذا شأنهم مع الخريف وحده، بل مع كثير من نعم الحياة. كانوا يؤمنون أن الستر يحفظ النعمة، وأن الكتمان باب من أبواب البركة. ولهذا كانوا يرددون الأمثال التي تحذر من أعين الناس وكثرة الحديث عما نملك. ومن أمثالهم الظفارية: “من هذت عليه اللسين ما كان حسين”، أي أن من كثرت حوله الألسن والأنظار، تعرض لخطر الحسد والضرر.
كانوا يرون أن الناس لا يتركون شيئًا جميلًا إلا تحدثوا عنه، ولا نعمة إلا لاحقتها العيون. لذلك كانوا يخفون أفراحهم أحيانًا، ويتحفظون في الحديث عن أرزاقهم وأحوالهم، لا خوفًا من الناس، وإنما حفاظًا على البركة، وإيمانًا بأن النعمة تستحق الشكر أكثر من الاستعراض.
أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال. أصبح ” كل شيء مكشوف والعين تشوف ” كثير من تفاصيل حياتنا معروضة على الشاشات قبل أن نعيشها كاملة. يشاهد الناس كل ما اشترينا، وما زرعنا، وما طبخنا، والى اين سافرنا، ومن زارنا، حتى صار بعض الناس يتفرجون على الأشياء قبل أصحابها. ومع كثرة العيون وكثرة الكلام، يشعر البعض أن البركة تتسرب من الأشياء كما يتسرب الماء من بين الأصابع.
ولم يسلم الخريف من ذلك. فما إن تظهر أول غيمة حتى تبدأ التوقعات والتحليلات. هذا يتحدث عن نسبة الأمطار، وذاك يحدد مواقع هطولها، وثالث ينشر الصور والمقاطع، حتى أصبح الخريف حديث المجالس والهواتف قبل أن تكتسي الجبال بالخضرة وتبتل الأرض بالمطر.
وكان الأوّلون يتحاشون المبالغة في وصف الخريف وجماله في بداياته، لا لأنهم لا يفرحون به، بل لأنهم كانوا يرونه نعمة عظيمة من نعم الله، والنعمة عندهم تحب الستر. وكانوا يرددون: “كل ذي نعمة محسود”، ” وكل لقمة عليها حاسد” ويقولون أيضًا: “ما يغنون على طير وينشر جناحاته”، أي أن الحسد إذا أصاب طائرًا وهو يبسط جناحيه ربما كسر فرحته وأوقعه من عليائه. فما بالكم بالخريف، ذلك الضيف الجميل الذي يحيي الأرض بعد عطشها، ويخضر الجبال، ويملأ القلوب فرحًا قبل أن تمتلئ به الوديان؟
قد يتفق الناس اليوم مع هذه القناعة أو يختلفون معها، لكنها تكشف لنا شيئًا من حكمة الأوّلين، ومن احترامهم للنعم وهيبتهم لها. كانوا يستقبلون الخريف بقلوب شاكرة وألسنة ذاكرة، قبل أن يستقبلوه بالكاميرات والهواتف.
ويبقى الخريف، قديمًا وحديثًا، موسم خير وجمال وفرح. لكن الخريف في ذاكرة الأوّلين كان سرًا جميلًا، لا يُعلن عنه إلا حين تتزين الجبال بالخضرة، ويبدأ المطر بنفسه يروي الحكاية للأرض..


