سهيل حامد المرهون
في كثير من المؤسسات في وطننا العربي، ولا سيما في دول الخليج، أصبح النجاح يُقاس بعدد الفعاليات التي أُقيمت، وعدد الصور التي نُشرت، وحجم التغطية الإعلامية، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا حقق هذا الحدث؟ وما أثره الحقيقي بعد انتهائه؟
إن إقامة فعالية ناجحة من الناحية التنظيمية لا تعني بالضرورة أنها حققت أهدافها الاستراتيجية. فالحدث الذي ينتهي بانتهاء الحفل هو في الحقيقة تكلفة، أما الحدث الذي يترك أثراً مستداماً ويغيّر سلوكاً أو يرفع وعياً أو يحقق عائداً اقتصادياً أو اجتماعياً، فهو استثمار.
وللأسف، ما زالت بعض الإدارات تعمل بعقلية الإنجاز الشكلي؛ إذ ينحصر الاهتمام في تنظيم المؤتمرات، وحضور الاجتماعات، وعقد اللقاءات، وتبادل الدروع التذكارية، والتقاط الصور الرسمية، ثم تُغلق الملفات دون وجود مؤشرات أداء واضحة، أو تقارير تقيس الأثر، أو خطط متابعة تضمن استمرارية النتائج.
والأخطر من ذلك أن بعض القيادات الإدارية تبقى في مواقعها سنوات طويلة، وربما تتجاوز عقدين من الزمن، بينما لا تتغير آليات العمل ولا تتطور المخرجات. فالاستقرار الإداري قيمة مهمة، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى جمود يمنع التجديد ويكتفي بإعادة إنتاج الأساليب نفسها عاماً بعد عام.
إن الإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد ساعات الحضور، ولا بعدد الاجتماعات، ولا بحجم البروتوكولات، وإنما تُقاس بما تحققه من نتائج قابلة للقياس. فكل مشروع أو برنامج أو فعالية يجب أن يجيب عن أسئلة واضحة:
- ما الهدف الحقيقي؟
- ما المؤشرات التي سنقيس بها النجاح؟
- ما العائد على المجتمع أو المؤسسة؟
- كيف سنضمن استدامة الأثر بعد انتهاء التنفيذ؟
- وما الذي سنتعلمه لتطوير النسخة القادمة؟
العالم اليوم انتقل من إدارة الأنشطة إلى إدارة الأثر، ومن ثقافة الإنجاز الورقي إلى ثقافة النتائج. والمؤسسات الرائدة لا تكتفي بتنفيذ المبادرات، بل تبني أنظمة لقياس الأداء، وتحلل البيانات، وتراجع التجارب، وتصحح المسار باستمرار.
إننا بحاجة إلى تغيير ثقافة العمل، بحيث يصبح المدير قائداً للتطوير لا مجرد مشرف على الروتين. قائد يبتكر، ويمنح فريقه مساحة للإبداع، ويقبل النقد، ويقيس نجاحه بما يتركه من أثر، لا بعدد المناسبات التي حضرها أو التكريمات التي حصل عليها.
كما أن استدامة المشاريع لا تتحقق إلا من خلال التخطيط بعيد المدى، والمتابعة المستمرة، واستخدام البيانات والإحصاءات في اتخاذ القرار، وتحويل كل فعالية إلى نقطة انطلاق لمبادرات جديدة، لا إلى حدث ينتهي بمجرد إسدال الستار.
إن المستقبل لن يكون للمؤسسات التي تنظم أكبر عدد من الفعاليات، بل للمؤسسات التي تحقق أكبر أثر يمكن قياسه وإثباته. فالتنمية الحقيقية لا تُصنع بالاحتفالات وحدها، وإنما تُصنع بالرؤية، والقياس، والمساءلة، والتطوير المستمر.
لقد آن الأوان لأن نغيّر سؤالنا من: “كم فعالية نظمنا هذا العام؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “ما الذي تغيّر في المجتمع أو المؤسسة بسبب ما قمنا به؟” فعندما يصبح الأثر هو معيار النجاح، سننتقل من إدارة المناسبات إلى صناعة الإنجازات، ومن الإنجاز المؤقت إلى التنمية المستدامة


