عمان تحفظ العهد التاريخي… والفرصة الذهبية لإيران وأمريكا في لحظة الحقيقة

نشرت :

رأي اليوم


صحيفة اليوم العُمانية

في خضم التوتر الخطير الذي يشهده مضيق هرمز، تعود سلطنة عُمان لتؤكد مرة أخرى أنها الدولة التي لا تتخلى عن عهدها التاريخي في الحياد الإيجابي وفتح القنوات الآمنة بين الفرقاء. هذا ليس موقفاً ظرفياً، بل هو جزء أصيل من الدبلوماسية العُمانية التي عُرفت عبر عقود طويلة بأنها الجسر الذي لا ينهار، والوسيط الذي لا ينحاز، والقناة التي تبقى مفتوحة حتى في أصعب الظروف.
وصول الوفد الدبلوماسي العُماني إلى طهران في الأيام الأخيرة لمناقشة آليات إدارة حركة الملاحة في المضيق يؤكد هذا النهج. عُمان لا تبحث عن دور بطولي أو مكاسب سياسية، بل تمارس واجبها التاريخي في منع الانهيار الكامل، وتقديم مساحة للحوار قبل أن تتحول المواجهات إلى كارثة إقليمية وعالمية. هذا هو “العهد” الذي حافظت عليه مسقط دائماً، وهو ما يجعلها اليوم فرصة ذهبية حقيقية لتهدئة الأوضاع.
ما هو مطلوب من إيران في هذه اللحظة المفصلية؟
طهران أمام فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. المضيق الذي أصبح ورقة ضغط قوية يمكن أن يتحول إلى ورقة استقرار إذا أظهرت إيران مرونة واقعية. المطلوب ليس التنازل عن السيادة أو الحقوق المشروعة، بل الإقرار بأن استمرار الإغلاق أو التهديد به يضر الجميع، بما في ذلك الاقتصاد الإيراني نفسه والأسواق العالمية.
ما تحتاجه إيران الآن هو التعامل بجدية مع المقترحات العملية التي تضمن عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي قبل الأزمة، مع إدخال بعض الإجراءات التنظيمية البسيطة التي تسهل حركة المرور وتوفر خدمات لوجستية واضحة، دون فرض رسوم عبور تحول المضيق إلى مصدر ابتزاز.

  • إدراك أن المتشددين داخل طهران إذا أصروا على سياسة “كل شيء أو لا شيء” فإنهم يخاطرون بعزل إيران أكثر، وفقدان التعاطف الدولي الذي قد يُبنى على أساس حلول متوازنة.
  • استغلال وجود الوسيط العُماني الموثوق للخروج بصيغة تحفظ ماء الوجه للجميع، وتؤكد أن إيران قادرة على أن تكون شريكاً في الأمن الإقليمي لا مصدر تهديد دائم له.
    الفرصة الذهبية موجودة، لكن الزمن ليس في صالح أحد. كل يوم إضافي من التصعيد يرفع التكلفة على الجميع.

اما واجب أمريكا في خلق سردية واضحة وواشنطن مطالبة اليوم بأكثر من مجرد ضغط عسكري أو تصريحات متشددة. المطلوب سردية سياسية واضحة ومسؤولة تشرح للعالم وللحلفاء وللرأي العام الإيراني نفسه ما تريد تحقيقه بالضبط. الغموض في المواقف والتصعيد المتقطع دون أفق تفاوضي واضح يغذي المتشددين في الطرفين، ويفتح الباب لتفسيرات خطيرة.
أمريكا كقوة كبرى لديها واجب في تقديم ضمانات ملموسة بأن أي حل للمضيق سيكون متوافقاً مع القانون الدولي وحرية الملاحة، دون السماح بتحويله إلى منطقة نفوذ أحادية.
والتوقف عن لغة التهديد المفتوحة التي تدفع الأطراف داخل طهران إلى التمسك بمواقف متطرفة.

  • الاعتراف بأن الحل العسكري وحده لن يعيد المضيق إلى طبيعته بشكل مستدام، وأن الدبلوماسية الجادة – حتى لو كانت غير مباشرة عبر عُمان – هي الطريق الأضمن.
    المتشددون في واشنطن أيضاً مطالبون بالجدية. الوصول إلى حل بعد وصول الوفد العُماني إلى طهران ليس ضعفاً، بل حكمة استراتيجية.
    اما مباحثات لندن وواجب بريطانيا تجاه حلفائها في الخليج في الوقت نفسه، تبرز مباحثات لندن المرتقبة حول تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في المضيق كعنصر مهم في معادلة التوازن. بريطانيا، بصفتها حليفاً تاريخياً لدول الخليج، عليها واجب أخلاقي وسياسي في خلق أجواء صحية لهذا الوضع الخطير. لندن ليست مجرد مضيف لاجتماعات، بل شريك مسؤول يجب أن يعمل على ضمان أن أي آلية دولية لا تكون بديلاً عن الحوار مع إيران، بل مكملة له.
    ووجوب طمأنة الحلفاء في الخليج بأن أمن الملاحة والطاقة أولوية مشتركة، وأن الحلول لن تُفرض عليهم دون مشاورات حقيقية.
    والمساهمة في تهدئة الخطاب، لأن التصعيد اللفظي يغذي دوامة العنف أكثر مما يخدم الأمن.
    المضيق يجب أن يعود كما كان.. مع تعديلات بسيطة الطرفان المتنازعان – طهران وواشنطن – يجب أن يدركا حقيقة بسيطة: مضيق هرمز ليس ملكاً لأحد ليُغلق أو يُفتح حسب المزاج السياسي. هو شريان حيوي عالمي، ويجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الأزمة، مع إدخال بعض الإجراءات التنظيمية البسيطة التي تسهل حركة المرور وتضمن السلامة، دون تحويله إلى ساحة للمساومات المستمرة.
    عُمان قدمت النموذج، والوفد في طهران يحمل رسالة واضحة القنوات الآمنة موجودة، والإرادة السياسية هي ما ينقص. المتشددون في الجانبين إذا اختاروا الجدية هذه المرة، فإن المنطقة والعالم كله سيستفيدان. أما إذا اختاروا الاستمرار في دوامة التصعيد، فإن الثمن سيكون باهظاً على الجميع، ولن ينجو أحد من تداعياته.
    اللحظة مفصلية.. والفرصة ذهبية.. والعهد العُماني التاريخي لا يزال قائماً. فهل يستغله الفرقاء؟

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل مكروه…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img