صناعة المُحتوى الرقميّ لدى الشباب من الترفيه إلى التأثير

نشرت :

مسقط : العمانية

في زمن السرعة والتحوّلات العالميّة؛ باتت المنصّات الرقميّة الوجهة الأولى للترفيه والتوعيّة في ذات الوقت، حيثُ تتنوّع التطبيقات الرقميّة وتختلف كل حسب مُميزاته لتجذب الأفراد والمُجتمعات ككُل، كما لابدّ لها من تأثيرات وتبعات سواء أكانت إيجابيّة أم سلبيّة، ليكون الدور قائمًا على المُتلقيّ والمُستخدم لها.

ومع اختلاف صُّناع المُحتوى الرقميّ وتوّجهاتهم؛ تبرز العديد من الأسماء والحسابات الإلكترونيّة لتُساهم في نشر التوعيّة والالتزام بالمسؤوليّة تجاه الجمهور والفئات المُستخدمة للمنصّات الرقميّة، فتأثّر بشكل إيجابيّ وفاعل على المُستخدم ما ينعكس على التأثيرات السلوكيّة والنفسيّة على المُجتمعات عامّة.

في هذا السياق يقول مصعب بن محمد الرواحي – صانع مُحتوى رقميّ: "المُحتوى الترفيهيّ اليوم أصبح لُغة عالميّة لأنه الأقرب للناس والأسرع وصولًا لمشاعرهم، خاصّة في ظل العالم الرقميّ السريع الذي يعتمد على الاختصار والعفويّة وسهولة التفاعل، الناس بطبيعتها تميل للمُحتوى الخفيف لأنه يمنحها مساحة من الراحة والمُتعة، لكن في نفس الوقت هذا النوع من المُحتوى يملك قدرة كبيرة على التأثير إذا تم تقديمه بوعي ومسؤوليّة".

وفي سياق استثمار هذا الانجذاب الجماهيريّ للمُحتوى الخفيف وتحويل الترفيه من مُجرد وسيلة للهروب إلى مدخل ذكيّ ومُلهم، يذكر الرواحي: "برأيي، الترفيه لم يعُد مُجرد وسيلة للهروب أو تمضية وقت، بل أصبح أداة ذكيّة يمكن من خلالها إيصال رسائل إيجابيّة وقيم نبيلة بطريقة بسيطة وغير مُباشرة، عندما يضحك الناس أو يشعرون بالقرب من المُحتوى؛ يُصبح تقبلهم للرسائل الإنسانيّة والاجتماعيّة أكبر وأكثر تأثيرًا".

كما بيّن الرواحي في حديثه عن المسؤوليّة المُترتبة على عاتق صانع المُحتوى، فيقول: "أرى أنّ صانع المُحتوى اليوم يحمل مسؤولية حقيقيّة، ليس فقط في جذب المُشاهدات، بل في صناعة أثر إيجابيّ ينعكس على المُجتمع، حتى ولو كان من خلال مقطع بسيط أو سؤال عفويّ في الشارع، فالمُحتوى الخفيف قادر على بناء الوعي، وتعزيز الاحترام، ونشر الطاقة الإيجابيّة إذا تم استثماره بالشكل الصحيح".

وعن مدى قوّة المُحتوى الترفيهيّ ووصوله للجمهور بشكل أكبر، يوّضح الرواحي: "أعتقد أنّ سبب قوّة هذا المُحتوى اليوم هو أنّه يتجاوز الحدود واللغات بسهولة، لأنه يعتمد على المشاعر الإنسانيّة المُشتركة مثل الضحك والعفويّة والتفاعل الحقيقيّ، ومع سُرعة المنصّات الرقميّة، أصبح الجمهور يبحث عن المُحتوى السهل والقريب منه، وليس فقط المُحتوى الرسميّ أو التقليديّ"، ويُضيف: "ولكن الأهم من ذلك، أنّ الترفيه أصبح فرصة لصناعة تأثير إيجابيّ بطريقة غير مباشرة. عندما يتم تقديم رسالة جميلة داخل محتوى خفيف، فإن وصولها يكون أسرع وأعمق لدى الناس، لذلك أرى أن المُحتوى الناجح اليوم هو الذي يُوازن بين المُتعة والقيمة، ويستطيع أن يترك أثرًا طيبًا، حتى لو كان بسيطًا".

ويُبيّن الرواحي وجهة نظره أنّ صانع المُحتوى الحقيقيّ ليس فقط من يُحقق انتشارًا، بل من يستطيع أن يستخدم هذا الانتشار لنشر الاحترام والوعي والطاقة الإيجابيّة داخل المُجتمع.

ومن جانبه، قال محمد بن بدر القمشوعي – صانع مُحتوى رقميّ: "أعتقد أنّ أكبر تحوّل حصل في صناعة المُحتوى اليوم هو أنّ الناس لم تعد تبحث فقط عن الترفيه، بل أصبحت تبحث عن الشعور الحقيقي خلف المُحتوى، فالمتابع قد ينسى معلومة أو إعلان، لكنه غالبًا لا ينسى قصة لامسته أو موقفًا شعر بأنه يُشبهه، ومن هُنا تبدأ قوّة التأثير".

وفي سياق اشتغال صانع المُحتوى على دمج قوّة القصّة والعاطفة مع القيمة الهادفة، يذكر القمشوعي: "برأيي، مُعادلة المُحتوى المؤثر لا تعتمد على تقديم رسالة مُباشرة أو وعظيّه، وإنما القدرة على دمج القصّة والعاطفة مع القيمة بطريقة بسيطة وطبيعيّة، فالإنسان بطبيعته يتفاعل مع المشاعر أكثر من التعليمات، لذلك عندما تصل الفكرة داخل قصّة مُمتعة أو موقف يوميّ قريب من الناس؛ تُصبح أكثر تأثيرًا وعمقًا".

ويُضيف: "كصنّاع مُحتوى، أعتقد أننا أحيانًا نقع في خطأ الاعتقاد أنّ المُحتوى الهادف يجب أن يكون جادًا وثقيلًا حتى يُؤخذ بجديّة، بينما الواقع اليوم مُختلف تمامًا، غالبًا أكثر الرسائل تأثيرًا قد تصل من خلال لقطة بسيطة، أو موقف كوميدي خفيف، أو حتى حوار عفويّ يحمل بين سطوره فكرة حقيقيّة"، ويكشف القمشوعي في حديثه أنّ الجمهور اليوم ذكي جدًا، ويستطيع أن يُفرّق بين المُحتوى المصنوع للمُشاهدات فقط، والمُحتوى الذي يحمل روحًا وتجربة صادقة.

كما يرى القمشوعي أنّ القصّة هيّ العنصر الأهم في هذه العملية، فيقول: "القصّة تنقل المُتابع من مُجرد (مُشاهد) إلى (مُتفاعل)، فعندما يرى الشخص نفسه داخل المشهد، أو يتذكّر موقفًا عاشه، يبدأ التفاعل الحقيقيّ، لهذا السبب أصبحت التفاصيل الصغيرة واليوميّة أقرب للناس من المُحتوى المُتكلّف أو المُبالغ فيه"، ووضّح في حديثه أنّ البساطة اليوم لا تُعدّ تراجعًا في المُستوى، بل قد تكون أحد أسرار التأثير الهائل، أو كما يُقال: (أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول).

وفيما يتعلّق بالتأثير، يوّضح القمشوعي على أنّه لا يرتبط بعدد المُتابعين فقط، بل بالبصمة التي يتركها صانع المُحتوى، فمتى ما أصبح لدى صانع المُحتوى رؤية وهوية واضحة، وقدرة على تقديم شيء يُشبهه أولًا ثم مُجتمعه وثقافته بطريقة حديثة وجماليّة، يبدأ بالانتقال تدريجيًا من مُجرد (صانع تسلية) إلى شخص يترك أثرًا حقيقيًا في الناس.

ومن خلال تجربته الشخصيّة كصانع مُحتوى، يُعبّر القمشوعي: "لاحظت أن المُحتوى الأقرب للناس هو المُحتوى الذي يُشعرهم بالواقعيّة، عندما نقدم تفاصيل من بيئتنا، ولهجتنا، وثقافتنا المحليّة بشكل بسيط وغير مُتكلّف، يحدث ارتباطًا أكبر مع الجمهور، لأنّ الناس لا تبحث دائمًا عن الكمال، بل عن المُحتوى الذي يُشبهها ويعبّر عنها".

أمّا عن دور المُؤثر الحقيقيّ الذي يغير السلوك بلمسة جماليّة، يقول: "الجماليّة البصريّة اليوم أصبحت جزءًا مُهمًا من التأثير، لكنها ليست العامل الوحيد، فجودة الصورة والإخراج مُهمة بلا شك، لكن الأهم منها هو الإحساس الموجود داخل العمل"، يُضيف: "أحيانًا فكرة صادقة تُقدَّم ببساطة تستطيع أن تترك أثرًا أكبر من مُحتوى مُبالغ في إنتاجه لكنه فارغ من الداخل".

ويختم القمشوعي حديثه بتوضيح فكرة أنّ صناعة المُحتوى لم تعد مُجرد صناعة للترفيه السريع، بل أصبحت مساحة لصناعة الوعي والمشاعر والهويّة، وصانع المُحتوى الحقيقيّ هو من يستطيع أن يُوازن بين المُتعة والمعنى، وبين الجمال والرسالة، دون أن يفقد عفويته أو صدقه أثناء ذلك.

وعند الولوج إلى الجانب النفسي والتربوي والتحديات الاجتماعيّة والأخلاقيّة؛ تقول شمساء بنت أحمد النبهاني – أخصائيّة نفسية وصانعة مُحتوى: "في زمن لم يعد فيه المُحتوى مُجرد وسيلة ترفيه؛ بل أداة تُعيد تشكيل القيم والسلوكيات اليوميّة، تُصبح مسؤوليّة صانع المُحتوى مُضاعفة، فحريّة الإبداع، رغم أهميتها، لا يُمكن أن تُمارس بمعزل عن أثرها النفسيّ والتربويّ على الجمهور، خاصة في مُجتمعات تتشكّل هويتها بشكل مُتسارع تحت تأثير المنصّات الرقميّة"، وتوّضح أنّ على صانع المُحتوى الواعي أن لا يسأل فقط (هل هذا المُحتوى جذاب؟)، بل (ما الأثر النفسيّ والتربويّ الذي قد يتركه؟)".

ومع التركيز على الدور التنمويّ الذي يلعبه المُحتوى في تشكيل الوعي الجمعيّ والهويّة وحريّة الابداع؛ تُؤكد النبهانية: "التوازن الحقيقيّ لا يكمُن في كبح الإبداع، بل في توجيهه بوعي، فصانع المُحتوى المسؤول لا ينجرف خلف ما يُحقق الانتشار فقط، بل يُدرك أنّ كُل رسالة تُنشر هي مُساهمة مُباشرة في بناء أو تشويه الوعي الجمعيّ، وهنا يُصبح السؤال المهنيّ والأخلاقيّ (هل ما أقدمه يُنمّي الوعي أم يستهلكه؟).

تُضيف النبهانية: "الوعي الذاتيّ يلعب دورًا حاسمًا في هذه المعادلة، فهو الحاجز الداخلي الذي يحمي صانع المُحتوى من الوقوع في فخ (الترند) حين يتعارض مع القيم أو الصحة النفسيّة للمُجتمع، وبدون هذا الوعي، تتحوّل المنصّات إلى سباق أرقام، تُختزل فيه الرسالة إلى مُجرد وسيلة جذب، ويُختزل الإنسان إلى متلقٍ قابل للتأثير دون حماية".

كما تؤكد أهميّة المصداقيّة، فتقول: "في هذا السياق، المصداقيّة ليست قيمة إضافية، بل أساس الاستمراريّة، والجمهور اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين المُحتوى الصادق والموجّه، وكلما التزم صانع المُحتوى بمسؤوليّته الأخلاقيّة، أسهم في بناء بيئة رقميّة أكثر نضجًا، ومُجتمع أكثر اتزانًا نفسيًا"، وتوضح أنّ التأثير الحقيقيّ لا يُقاس بعدد المُشاهدات، بل بعُمق الأثر الذي يتركه في وعي الإنسان وسلوكه.

ومن جانبه، يقول أحمد بن سيف الرئيسي – مدرّب مُعتمد في الذكاء الاصطناعيّ والتحوّل الرقميّ: "أعتقد أنّنا اليوم لا نعيش فقط ثورة تقنيّة، بل نعيش لحظة تاريخيّة يتغيّر فيها مفهوم (صناعة المُحتوى) بالكامل، في السابق كان المُحتوى يعتمد على المهارة البشريّة فقط، أما اليوم فالذكاء الاصطناعيّ أصبح شريكًا حقيقيًا في صناعة الأفكار، وتسريع الإنتاج، وتحويل الخيال إلى واقع بصريّ وسمعيّ ومعرفيّ خلال دقائق، لكن رغم كل هذا التطوّر، ما زلت أؤمن أنّ القيمة الحقيقيّة لن يصنعها الذكاء الاصطناعيّ وحده، بل الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمه بوعي ورسالة وأخلاق".

وعند الوقوف على أعتاب عصر جديد، يشرح الرئيسي عن مُستقبل صناعة المُحتوى في ظل ثورة الذكاء الاصطناعيّ كشريك في تعزيز الوعي الإنسانيّ، فيقول: "المُستقبل الرقميّ برأيي سيكون أكثر عمقًا وتأثيرًا، ولن يقتصر على الترفيه أو الانتشار السريع كما كان في السنوات الماضيّة، نحن نتجه نحو مُحتوى أكثر ذكاءً وتخصيصًا وتفاعلاً، يستطيع أن يعلّم، ويُلهم، ويُعالج مشكلات حقيقيّة في المُجتمع"، ويُضيف: "سنرى تحولًا كبيرًا في قطاعات التعليم، والتدريب، والإعلام، وريادة الأعمال، حيث ستُصبح أدوات الذكاء الاصطناعيّ جزءًا أساسيًّا من حياة صنّاع المُحتوى، تساعدهم على الإبداع لا استبدالهم".

ويُؤكد: "لكن في المُقابل، كلما أصبحت أدوات الإنتاج أسهل، زادت مسؤوليّة الوعي؛ لأن التحدي الحقيقيّ في المُستقبل لن يكون (من يستطيع إنتاج مُحتوى أكثر؟)، بل (من يستطيع إنتاج مُحتوى يحمل قيمة حقيقيّة ويصنع أثرًا إيجابيًّا؟)، وهنا تظهر أهمية دعم المُبدعين الذين يقدمون مُحتوى هادفًا يثري العقل ويرتقي بالذائقة، بعيدًا عن الضجيج الرقميّ والمُحتوى السريع الذي يستهلك الانتباه دون فائدة".

وعن السُبل المثاليّة التي يمكننا من خلالها دعم المُبدعين وضمان انتقالنا نحو فضاء رقميّ أكثر نضجاً وجمالاً يخدم الإنسانيّة ويرتقي بذائقتها، يوّضح: "من وجهة نظري، دعم هؤلاء المُبدعين لا يكون فقط بالمُشاهدات، بل ببناء بيئة رقميّة صحيّة تساعدهم على الاستمرار، نحتاج إلى مُبادرات تدريبيّة، وحاضنات إبداع رقميّة، وتشجيع المؤسسات على الاستثمار في المُحتوى المعرفيّ والتوعويّ، إضافة إلى تعزيز الثقافة الرقميّة لدى المُجتمع حتى يُصبح المُتلقي نفسه قادرًا على التمييز بين المُحتوى العابر والمُحتوى المُؤثر".

ويُضيف: "أرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى شراكة حقيقيّة بين الإنسان والتقنيّة، بحيث يبقى الإنسان هو صاحب الرسالة والقيم والرؤية، بينما يكون الذكاء الاصطناعيّ أداة لتوسيع التأثير وتسريع الوصول، فالتقنية وحدها لا تصنع الوعي، وإنما الطريقة التي نستخدمها بها".

وعن رؤيته المُستقبليّة كتقنيّ؛ يُؤكد تفاؤله بحديثه: "لأننا نملك اليوم فرصة غير مسبوقة لصناعة مُحتوى عربي وعُماني قادر على المُنافسة عالميًا، ليس فقط من حيث الجودة البصريّة، بل من حيث الفكرة والقيمة والرسالة الإنسانيّة"، ويُبين ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، وتعزيز المعرفة، وتحفيز الإبداع الحقيقيّ، للانتقال فعلًا إلى فضاء رقميّ أكثر نضجًا وجمالًا، يليق بطموحات الأجيال القادمة ويعكس هويتنا وثقافتنا بصورة مشرّفة أمام العالم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img