عندما تصبح تكلفة الإنتاج أكبر من الميزة التنافسية… ظفار

نشرت :

بقلم: ياسر بن علي المرهون

المدير التنفيذي – الشركة العالمية للألواح الجبسية

​لا ينقص محافظة ظفار أي عنصر أساسي من عناصر النجاح الصناعي؛ فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا على خطوط التجارة العالمية، وميناءً استراتيجيًا على بحر العرب، ومنطقة حرة ذات إمكانات كبيرة، وموارد طبيعية متنوعة، ومساحات صناعية قابلة للتوسع، إلى جانب بيئة اقتصادية مستقرة ورؤية وطنية طموحة تقودها مستهدفات رؤية عُمان 2040.

​ورغم هذه المقومات، يظل السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضرًا أمام المعنيين بالقطاع الصناعي: لماذا لم تتحول ظفار حتى الآن إلى مركز صناعي وتصديري رئيسي يخدم أسواق المحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب آسيا؟

​الإجابة لا تكمن في نقص الموارد، ولا في غياب البنية الأساسية، وإنما في تحديين رئيسيين يؤثران بصورة مباشرة في استدامة المصانع وقدرتها على المنافسة، وهما: ارتفاع تكلفة التصنيع، وارتفاع تكلفة الخدمات اللوجستية.

​تكلفة التصنيع أساس المنافسة

​لم تعد المنافسة الصناعية العالمية تعتمد فقط على توفر المواد الخام أو الأراضي الصناعية أو الإعفاءات والحوافز الاستثمارية، وإنما أصبحت تعتمد بصورة أساسية على تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة، ومستوى كفاءة العمليات، وسرعة وصول المنتج إلى الأسواق.

​فالمصنع القائم في ظفار لا ينافس المصانع المحلية فقط، بل ينافس منتجات قادمة من الصين والهند وتركيًا والسعودية والإمارات ومصر ودول أخرى استطاعت بناء منظومات صناعية متكاملة تساعد المصانع على خفض تكاليف الإنتاج والتصدير.

​وعندما ترتفع تكلفة الطاقة والمياه والمواد المساندة والصيانة وقطع الغيار والنقل والمناولة والتخزين، فإن المنتج يبدأ رحلته إلى السوق وهو يحمل تكلفة إضافية تحد من قدرته على المنافسة، حتى وإن كان يتمتع بجودة عالية أو يعتمد على موارد محلية.

​ولا يمكن للصناعة أن تنمو بصورة مستدامة إذا كانت تكلفة إنتاج المنتج في ظفار أعلى من تكلفة إنتاجه لدى المنافسين. فالمستثمر الصناعي يدرس قبل اتخاذ قراره تكلفة إنتاج الطن أو المتر أو الوحدة، ويقارنها بالتكلفة في الدول والمناطق الصناعية الأخرى.

​ومن هنا، فإن جذب الاستثمارات الصناعية الجديدة والمحافظة على الاستثمارات القائمة يتطلبان إجراء دراسة شاملة لجميع عناصر التكلفة الصناعية في ظفار، ومقارنتها بصورة دورية بالمراكز الصناعية المنافسة إقليميًا ودوليًا.

​الخدمات اللوجستية: من ميزة جغرافية إلى تحدٍّ اقتصادي

​يمثل ميناء صلالة إحدى أهم الميزات الاستراتيجية لمحافظة ظفار، نظرًا إلى موقعه القريب من خطوط الملاحة الدولية. غير أن القيمة الحقيقية للموقع الجغرافي لا تتحقق بمجرد وجود الميناء، وإنما بقدرة المصانع على استخدامه بتكلفة تنافسية وخدمات مرنة وسريعة.

​وقد أشار عدد من الصناعيين إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن من ميناء صلالة إلى عدد من الأسواق العالمية، مقارنة ببعض الموانئ المنافسة، يضعف تنافسية المنتجات المصنعة في ظفار، وقد يدفع بعض الشركات إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والمناولة والتخزين يؤثر في جاذبية المحافظة للاستثمارات الصناعية والتصديرية.

​إن المصنع التصديري لا ينظر إلى تكلفة التصنيع منفصلة عن تكلفة الخدمات اللوجستية؛ فالتكلفة الحقيقية للمنتج هي مجموع ما أُنفِق على تصنيعه ونقله ومناولته وتخزينه وشحنه حتى وصوله إلى العميل. وعندما تكون تكلفة الشحن مرتفعة، فإن قرب المصنع من الميناء يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاقتصادية. بل قد نجد أحيانًا أن شحن المنتج من دول أبعد جغرافيًا إلى الأسواق المستهدفة أقل تكلفة من شحنه من ظفار، وهي معادلة تحتاج إلى دراسة ومعالجة عاجلة.

​كما أن عدم انتظام بعض خطوط الشحن المباشر، وطول مدة الانتظار، وتكاليف إعادة الشحن عبر موانئ وسيطة، وتذبذب أسعار الحاويات، تمثل عوامل تؤثر في قدرة المصنع على الالتزام مع عملائه والمحافظة على أسواقه التصديرية.

​الحاجة إلى سياسة لخفض تكلفة الإنتاج

​إن نجاح الصناعة في ظفار لا يتحقق فقط من خلال إنشاء مصانع جديدة أو تخصيص أراضٍ إضافية، وإنما من خلال بناء منظومة تجعل الإنتاج في المحافظة أقل تكلفة وأكثر كفاءة وأسرع وصولاً إلى الأسواق.

​وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق برنامج متكامل لخفض تكلفة الإنتاج الصناعي، يتضمن مراجعة جميع عناصر تكلفة التصنيع، ابتداءً من الطاقة والمياه والخدمات التشغيلية، مرورًا بالنقل والمناولة والتخزين، وانتهاءً بالشحن البحري والوصول إلى الأسواق.

​كما ينبغي دراسة تقديم حوافز مرتبطة بالأداء والإنتح والتصدير، بحيث تُمنَح المصانع التي تحقق قيمة مضافة محلية، أو توفر فرص عمل، أو ترفع حجم الصادرات، أو تستخدم الموارد الطبيعية المحلية، مزايا تساعدها على خفض تكلفة عملياتها وزيادة قدرتها التنافسية.

​ولا ينبغي أن تُفهم الحوافز على أنها دعم دائم للمصانع، وإنما باعتبارها أدوات اقتصادية تستهدف بناء قاعدة صناعية قوية قادرة مستقبلاً على المنافسة والاستمرار دون مساندة مباشرة.

​التجمعات الصناعية المتخصصة

​من الوسائل الفعالة لخفض تكلفة الصناعة إنشاء تجمعات صناعية متخصصة تضم الصناعات المتكاملة والمترابطة في مواقع متقاربة. وتملك ظفار فرصة لإنشاء تجمعات صناعية في قطاعات التعدين والجبس والحجر الجيري ومواد البناء والصناعات الغذائية والسمكية والتغليف والخدمات اللوجستية.

​وتساعد هذه التجمعات على خفض تكاليف المواد والخدمات والصيانة والنقل والتخزين، كما تتيح للمصانع مشاركة بعض المرافق والخدمات والاستفادة من المخلفات الصناعية بوصفها مدخلات إنتاج لمصانع أخرى.

​فالجبس والحجر الجيري وغيرهما من الموارد الطبيعية لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها مواد خامًا للتصدير فقط، بل كأساس لسلاسل صناعية متكاملة تنتج منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، وتخلق فرص عمل نوعية، وتدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

​مبادرة ظفار للتنافسية الصناعية 2035

​أقترح إطلاق «مبادرة ظفار للتنافسية الصناعية 2035»، باعتبارها إطارًا تنفيذيًا يجمع الجهات الحكومية والمناطق الصناعية والحرة وميناء صلالة والمصنعين وشركات الخدمات اللوجستية تحت هدف رئيسي واحد، هو جعل ظفار واحدة من أكثر المناطق الصناعية تنافسية في المنطقة بحلول عام 2035.

​ويمكن أن ترتكز المبادرة على عدد من المسارات، من أبرزها:

  1. أولاً: إعداد مؤشر سنوي لقياس تكلفة التصنيع في ظفار، يشمل الطاقة والمياه والنقل والمناولة والتخزين والصيانة والعمالة والخدمات الحكومية.
  2. ثانيًا: مقارنة تكلفة إنتاج وتصدير المنتجات من ظفار بتكلفتها في أهم المراكز الصناعية المنافسة، ونشر نتائج واضحة تساعد الجهات المعنية على اتخاذ القرارات.
  3. ثالثًا: وضع خطة لخفض تكلفة الخدمات اللوجستية، بالتنسيق مع ميناء صلالة وشركات الملاحة والمصدرين، واستقطاب المزيد من خطوط الشحن المباشر إلى الأسواق الرئيسة.
  4. رابعًا: إنشاء منصة دائمة للحوار بين الصناعيين والجهات الحكومية، لمعالجة التحديات التشغيلية بسرعة قبل أن تتحول إلى عوائق تؤثر في استدامة المصانع.
  5. خامسًا: توجيه الحوافز نحو الصناعات التي تستخدم الموارد المحلية وتحقق قيمة مضافة وتوفر فرص عمل وتستهدف التصدير.
  6. سادسًا: دعم التحول الرقمي والأتمتة وكفاءة الطاقة في المصانع، بما يسهم في خفض الهدر وتحسين الإنتاجية وتقليل التكلفة.
  7. سابعًا: تعزيز التكامل بين ميناء صلالة والمنطقة الحرة والمناطق الصناعية، باعتبارها منظومة اقتصادية واحدة، وليس جهات تعمل بصورة منفصلة.

​الصناعة القائمة أولاً

​إن جذب المستثمرين الجدد هدف مهم، ولكنه يجب ألا يأتي على حساب الاهتمام بالمصانع القائمة؛ فهي التي اختبرت البيئة الاستثمارية فعليًا، وتحملت تكاليف التأسيس والتشغيل، ووفرت الوظائف، وبنت علاقات مع الأسواق المحلية والدولية.

​ولذلك، فإن نجاح المصانع القائمة وتوسعها يمثل أفضل رسالة يمكن تقديمها للمستثمر الجديد، أما تعثرها أو فقدانها لأسواقها بسبب ارتفاع التكاليف، فسيؤثر سلبيًا في صورة البيئة الصناعية مهما تعددت الحملات الترويجية.

​ويجب أن تكون الأولوية للاستماع إلى المصانع القائمة، وفهم التحديات التي تواجهها، ومساعدتها على زيادة طاقتها الإنتاجية والتصديرية؛ لأن توسع مصنع قائم غالبًا ما يكون أسرع وأقل تكلفة وأقل مخاطرة من استقطاب مشروع جديد يبدأ من الصفر.

​من امتلاك المقومات إلى صناعة الميزة التنافسية

​تمتلك ظفار فرصة تاريخية لتكون مركزًا صناعيًا وتصديريًا يخدم أسواق الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا، إلا أن هذه الفرصة لن تتحقق بمجرد توفر الموارد أو الموانئ أو الأراضي. إنها تتحقق عندما يصبح الإنتاج في ظفار أقل تكلفة، والخدمات اللوجستية أكثر كفاءة، والشحن أكثر تنافسية، والوصول إلى الأسواق أسرع وأكثر استقرارًا.

​فالمستقبل الصناعي لا يُقاس بعدد المصانع أو حجم الأراضي المخصصة لها فقط، وإنما بقدرة هذه المصانع على الاستمرار والتوسع والتصدير وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.

​وإذا أردنا جعل ظفار قاعدة صناعية عالمية، فعلينا أن نبدأ بالسؤال الأهم: كم تبلغ تكلفة إنتاج وشحن المنتج من ظفار مقارنة بمنافسينا؟

​وعندما تصبح الإجابة في مصلحة ظفار، سيأتي المستثمر، وستتوسع المصانع القائمة، وستزداد الصادرات، وستُخلَق الوظائف، وسترتفع القيمة المضافة المحلية.

​إن صناعة المستقبل ليست صناعة الأقل أجورًا، وإنما صناعة الأكثر كفاءة، والأقل تكلفة، والأسرع وصولاً إلى الأسواق. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تقود المرحلة المقبلة للصناعة في محافظة ظفار.

الموافق: 5 أغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img