في سلطنة عُمان، هناك لحظة يعرف أهل البيت أنها أعلنت بداية مرحلة جديدة في حياة الوالد. ليست حفلة التقاعد، ولا آخر يوم دوام، ولا حتى أول معاش تقاعدي. اللحظة الحقيقية هي عندما يدخل البيت، ينظر إلى الليت المشتعل، ويقول بصوت منخفض: “من هذا اللي مخلي الليت شغال؟” ثم يطفئه، ويخرج من المكان، وكأنه أنجز مهمة وطنية.
منذ تلك اللحظة، يتحول الوالد إلى جهاز استشعار للطاقة. لا يحتاج إلى عداد ذكي، ولا إلى تطبيق على الهاتف. يكفيه أن يرى شعاعًا خفيفًا تحت باب غرفة مغلقة، فيعرف أن هناك ليتًا يعمل بلا داعٍ. بل إن بعض أفراد الأسرة يعتقدون أن الوالد بعد التقاعد اكتسب حاسة سادسة؛ يستطيع اكتشاف المكيف الذي يعمل في غرفة فارغة من مسافة عشرين مترًا.
البيت يضحك، والأحفاد يبتسمون، وأحد الأبناء يهمس: “الوالد صار يحاسبنا على كل ليت.” وكأن الرجل استيقظ صباح يوم التقاعد وقرر أن يدخل في حرب شخصية مع الكهرباء. لكن الاقتصاد السلوكي يخبرنا أن القصة مختلفة تمامًا. المشكلة ليست في الليت، بل في الدماغ الذي تغيرت طريقة حسابه للمخاطر.
قبل التقاعد، كان الوالد يعيش بعقلية الدخل المتجدد. آخر كل شهر هناك راتب جديد، وأي خطأ صغير في الإنفاق يمكن تعويضه الشهر القادم. أما بعد التقاعد، فإن الدماغ يكتشف حقيقة لم يكن مضطرًا للتعامل معها من قبل؛ كل ريال يخرج اليوم لن يعود بنفس السهولة غدًا. هنا يحدث ما يسميه علماء الاقتصاد السلوكي النفور من الخسارة. الألم الناتج عن خسارة ريال يصبح أكبر من المتعة التي يمنحها صرفه، ولهذا يبدأ العقل في ملاحظة أشياء لم يكن يراها سابقًا.
ولهذا السبب، لا يصبح الليت مجرد ليت، ولا يصبح المكيف مجرد مكيف. كل واحد منهما يتحول في ذهن المتقاعد إلى قرار مالي يتكرر ثلاثين يومًا في الشهر، واثني عشر شهرًا في السنة، وربما لعشرين سنة قادمة. الدماغ لم يعد يحسب قيمة دقيقة واحدة، بل يحسب أثر آلاف الدقائق المتراكمة. إنه الفرق بين من ينظر إلى القطرة، ومن يعرف أن القطرة إذا استمرت ستفرغ الخزان.
وهنا تظهر المفارقة الساخرة. أكثر من يصف الوالد بالبخل هم غالبًا الذين لم يفتحوا تطبيق البنك منذ أشهر، ولا يعرفون كم بلغت فاتورة الكهرباء، ولا كم ارتفعت أسعار المواد الغذائية، ولا ماذا يعني أن يتحول دخل الأسرة فجأة إلى نصف ما كان عليه. إنهم يرون إصبعًا يطفئ مفتاحًا، بينما الوالد يرى معادلة مالية كاملة يحاول أن يحافظ على توازنها.
المثير للاهتمام أن هذا السلوك لا يقتصر على الكهرباء. بعد التقاعد يبدأ الوالد في سلطنة عُمان بمراجعة أشياء كثيرة؛ يخطط للمشتريات قبل الذهاب إلى السوق، ويؤجل استبدال السيارة سنة أو سنتين، ويقارن بين الأسعار، ويحسب تكلفة الرحلات، ويعيد استخدام أشياء كان يرميها سابقًا دون تفكير. المجتمع يطلق على كل ذلك كلمة واحدة: “صار يدقق.” أما الاقتصاد السلوكي فيعتبره إعادة تصميم كاملة لطريقة اتخاذ القرار بعد تغير البيئة الاقتصادية.
والأجمل أن الأسرة لا تشعر بهذه التحولات لأنها لم تعش الصدمة نفسها. فالابن الذي يشغل المكيف وينزل إلى الدكان لا يشعر أن هناك تكلفة حقيقية، لأنه لا يدفعها مباشرة. هذا ما يسميه علماء السلوك غياب وضوح التكلفة؛ عندما لا تتحمل نتيجة القرار، يصبح الهدر غير مرئي بالنسبة لك. لذلك لا يرى الأبناء سوى ليت مضاء، بينما يرى الوالد جزءًا من معاشه يتبخر بصمت.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: لماذا أصبح الوالد يطفئ الليتات؟ بل لماذا لم تتعلم الأسرة أن تطفئها قبل أن يتقاعد؟ فلو كانت ثقافة ترشيد الاستهلاك موجودة منذ البداية، لما بدا سلوك الوالد غريبًا بعد التقاعد. المشكلة ليست أن المتقاعد تغيّر، بل أن بقية أفراد الأسرة لم يغيّروا عاداتهم رغم تغير الواقع الاقتصادي للأسرة.
وربما لهذا السبب، فإن أكثر جملة يرددها المتقاعد في سلطنة عُمان ليست: “طفوا الليت.” بل جملة أعمق لا يقولها بصوت مرتفع: “أحاول أن أجعل هذا المعاش يكفينا جميعًا بكرامة.” هذه الجملة لا يسمعها أحد، لكنها تختبئ خلف كل مفتاح كهرباء يطفئه، وكل مكيف يغلقه، وكل فاتورة يراجعها.
في النهاية، قد يضحك الأبناء من الوالد لأنه نسي أسماء بعض التطبيقات الحديثة، لكنه لم ينسَ أهم درس علمته له الحياة؛ أن الثروة لا تضيع غالبًا بسبب قرار كبير واحد، بل بسبب آلاف القرارات الصغيرة التي يعتقد الجميع أنها لا تستحق الانتباه. وربما لهذا، لم يكن المتقاعد في سلطنة عُمان يحارب الليتات أبدًا… بل كان يحاول أن يطيل عمر معاشه، ويمنح أسرته استقرارًا لا يُرى، تمامًا كما لا يُرى التيار الكهربائي الذي يمر خلف الجدران.
عبدالله بن محمد العبري
باحث في الاقتصاد السلوكي
٧ اغسطس ٢٠٢٦ م


