سعادة د. أحمد الغساني: محافظة ظفار تمتلك مقومات استثنائية لتقديم نموذج تنموي معرفي يوازن بين متطلبات النهضة العصرية وصون الهوية والبيئة الفطرية
صلالة اليوم – عادل بن رمضان مستهيل
سلطت حلقة استثنائية من بودكاست «نزوى – أجنحة المعرفة» الضوء على الملامح الاستراتيجية والرؤى التنموية التي تتطلع إليها محافظة ظفار، وذلك في حوار موسع ومُعمّق مع سعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار، جاء تحت عنوان «ظفار التي نحلم بها: الإنسان والمكان والمستقبل»؛ بهدف الوقوف على أبعاد العلاقة الوثيقة والمركبة بين الإنسان وهويته المكانية، وصياغة نموذج تنموي وطني متوازن ينسجم مع المستهدفات الوطنية لرؤية «عُمان 2040»، ويراعي الخصوصية البيئية، الجغرافية، والثقافية الفريدة التي تتمتع بها المحافظة.

وشهد اللقاء نقاشاً مستفيضاً حول أساليب إدارة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في المحافظة، وكيفية تحويل التحديات الخدمية والبنيوية إلى فرص استثمارية وتنموية واعدة تستند إلى المعرفة، وتصون التنوع الطبيعي والتاريخي، وتضع المواطن في قلب المعادلة التنموية بوصفه الصانع المستهدف لكل خطط التطوير والتحديث.
الإنسان أولاً.. الغاية الأسمى والمحرك الأساسي للنهضة
واستعرض سعادة الدكتور رئيس بلدية ظفار خلال الحلقة عدداً من المحاور والمفاهيم الجوهرية المرتبطة بمستقبل المحافظة، مؤكداً أن الإنسان يمثل الحجر الزاوية والغاية الأولى والنهائية لأي عملية تنموية حقيقية. وشدد سعادته على أن البنية الأساسية والمشروعات الخدمية والعمرانية، رغم أهميتها الاستراتيجية في تسهيل الحياة وتنشيط الاقتصاد، تظل مجرد أدوات وتمكينات عملية؛ بينما يكمن جوهر التطور التنموي في بناء القدرات البشرية الوطنية، وتأهيل الكوادر، وتوسيع آفاق المشاركة الفاعلة للمجتمع في رسم السياسات وصناعة القرار وتحديد الأولويات التنموية.
وأضحت مضامين الحوار أن الاستثمار الفعلي يجب أن يتجه بنحو مكثّف وممنهج نحو تمكين أفراد المجتمع، ولاسيما الشباب، وتزويدهم بالمعارف والمهارات الحديثة التي تتطلبها بيئة العمل المستقبلي؛ بما يضمن تحويل الطاقة المجتمعية إلى محرك ذاتي يضمن استدامة المكتسبات الوطنية ورفع كفاءة الأداء في مختلف القطاعات الخدمية والاقتصادية.
استثمار الميزات النسبية والمقومات الاستثنائية
وسلط اللقاء الضوء على الأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها محافظة ظفار بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتنوعها التضاريسي المترامي بين السهل والجبل والبادية، فضلاً عن الموروث الثقافي والتاريخي الغني الذي يختزل محطات حضارية ضاربة في عمق التاريخ. وأكد سعادة الدكتور أحمد الغساني أن الاستثمار الأمثل لهذه المقومات الطبيعية والثقافية يسهم بنحو مباشر في تعزيز الحضور التنموي، والسياحي، والثقافي للمحافظة على الخارطتين الإقليمية والدولية.
ولفت سعادته إلى أن النظرة التنموية المعاصرة تتطلب الاستفادة من هذه الميزات النسبية عبر مشروعات نوعية ذات قيمة مضافة عالية، تجذب الاستثمارات وتوفر فرص عمل مجدية للمواطنين، وفي الوقت ذاته تحافظ على الطابع العمراني والجمالي الأصيل الذي يميز مدن المحافظة وقراها.
توازن استراتيجي بين متطلبات التحديث وصون الهوية والبيئة
وفي ظل التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي تشهدها سلطنة عُمان، تناولت الحلقة أهمية إيجاد معادلة استراتيجية متوازنة تعبر بالمحافظة نحو الحداثة دون التفريط في إرثها الفطري والثقافي. وأكد سعادة رئيس بلدية ظفار أن البيئة الاستثنائية لظفار بأسلوبها الحياتي والتنوع البيولوجي الفريد الذي تتفرد به —خصوصاً خلال موسم الخريف والمواسم السياحية الأخرى— يشكل أصلاً تنموياً ثابتاً يجب حمايته واستدامته عبر تطبيق أعلى معايير الاستدامة البيئية في المشروعات البنيوية والتطويرية.
وأشار النقاش إلى أن الحفاظ على النظام البيئي وتأكيد معالم الهوية المحلية الاجتماعية لا يتعارضان مع التطوير العمراني الحديث، بل يشكلان المرتكز الأساسي لرفع مستوى جودة الحياة، وتعزيز مفهوم المدن المستدامة والصديقة للبيئة، وصون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
نموذج تنموي قائم على اقتصاد المعرفة والشراكة
ويأتي طرح هذه القضايا عبر المنصات الفكرية في وقت تشهد فيه محافظة ظفار حراكاً تنموياً وسياحياً واقتصادياً لافتاً على مدار العام، يتجاوز المفهوم التقليدي للسياحة الموسمية إلى آفاق التكامل الاقتصادي والمعرفي. وأوضحت الحلقة أن المحافظة تمتلك كافة المقومات التي تؤهلها لتقديم نموذج تنموي فريد في المنطقة، يستند إلى ثلاثية: الإنسان، والمكان، والمعرفة؛ عبر توظيف تقنيات التخطيط الحديثة، وإتاحة البيانات، وتوسيع نطاق الابتكار المؤسسي والمجتمعي.
وأكد الحوار أن النجاح التنموي لا يُقاس فقط بحجم المشروعات المنجزة أو المبالغ المرصودة للمخططات البنيوية، وإنما يقاس بمدى نضج الوعي الجمعي، وعمق الرؤية المستقبلية، ومستوى الشراكة الحقيقية بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، مما يجعل من المواطن شريكاً أصيلاً ومسؤولاً في تقييم مسارات التنمية ومتابعة إنجازها.
«أجنحة المعرفة».. منصة لاستشراف المستقبل
جدير بالذكر أن «بودكاست نزوى – أجنحة المعرفة» يُعد من المنصات المعرفية والفكرية البارزة التي تسعى إلى فتح نوافذ للحوار المتخصص والهادف حول القضايا الوطنية التنموية والاستراتيجية في سلطنة عُمان؛ عبر استضافة نخبة من المسئولين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل الرؤى والأفكار، وتعميق الوعي حول متطلبات المستقبل ورسم مسارات النهضة المتجددة.
رابط الحلقة على منصة اليوتيوب:


