الدبلوماسية العُمانية: قوة الهدوء في إدارة الصراعات الدولية

نشرت :

د. حامد بن شظا المرجان – باحث وأكاديمي

في عالم تتزايد فيه الأزمات وتتداخل فيه المص المصالح الجيوسياسية، لم تعد الدبلوماسية تقاس فقط بقدرة الدول على بناء التحالفات أو امتلاك أدوات القوة الصلبة، وإنما أصبحت تقاس أيضاً بقدرتها على منع الانزلاق إلى المواجهة، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما تبدو لغة الحوار عاجزة عن الوصول إلى الخصوم.
وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية العُمانية بوصفها تجربة لافتة في إدارة التوترات الإقليمية والدولية. فهي دبلوماسية لا تقوم على الصخب السياسي أو الإعلامي أو الاصطفاف الحاد، وإنما على الحوار، والبساطة الهادئة، والمساعي الحميدة، والانخراط البنّاء، والحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف.
فالسياسة الخارجية لسلطنة عُمان قائمة على الحوار وعلى عدم إغلاق أي طريق للتواصل مهما كانت صعوبة الأزمة، مع تفضيل الوسائل السلمية والحوار على الصراع، كما تؤكد مبدأ عدم استبعاد الأطراف أو مقاطعتها لمجرد اختلاف المواقف. وهنا تكمن خصوصية النموذج العُماني؛ فعُمان لا تحاول أن تكون طرفاً في الصراع بقدر ما تحاول أن تكون جسراً بين أطرافه.
وتقوم فلسفة السياسة الخارجية العُمانية في العلاقات الدولية على أنه لا يمكن الوصول إلى تسوية مع طرف لا تستطيع التحدث إليه.
لهذا حافظت مسقط تاريخياً على علاقات واتصالات مع أطراف معارضة في المنطقة وخارجها. وهذه السياسة لا تعني بالضرورة التوافق مع مواقف جميع الأطراف، وإنما تعني الفصل بين الاختلاف السياسي وضرورة استمرار الاتصال.

وهذه نقطة جوهرية في مفهوم الانخراط البنّاء؛ فالوسيط لا يستطيع التأثير في مسار الأزمة إذا أصبح جزءاً من أحد أطرافها. ولذلك، فإن الحفاظ على مسافة سياسية تسمح بالتواصل مع الجميع يمكن أن يتحول إلى مصدر للقوة الدبلوماسية.

في الدبلوماسية التقليدية، قد يرتبط النفوذ بحجم الدولة أو قوتها الاقتصادية والعسكرية، لكن المدرسة العُمانية تشير إلى نوع مختلف من القوة: قوة الثقة. فالدول التي تستطيع التحدث مع أطراف متخاصمة، وتوفر لهم مساحة آمنة للتواصل، يمكنها أن تمتلك تأثيراً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

ومن أبرز أدوات الدبلوماسية في الأزمات المعقدة ما يُعرف بـ “الدبلوماسية الخلفية” (Backchannel Diplomacy)، وهي الاتصالات غير العلنية التي تسمح للأطراف باستكشاف المواقف بعيداً عن الضغوط الإعلامية.
وقد كان هذا النمط حاضراً في وساطة العُمانيين في الملف النووي الإيراني؛ إذ لعبت مسقط دوراً مهماً وبعيداً عن الأضواء في تيسير الاتصالات التي ساعدت على التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران والقوى الغربية، كما يُشار إلى دورها في تسهيل المساعي المتعلقة باليمن.

وبناءً عليه، فإن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شكرا عُمان عام 2022 على دورها في تهدئة المناخ السياسي المعقد في اليمن وتحقيق وقف إطلاق النار.
ويُعد الملف الإيراني – الأمريكي من أكثر الأمثلة وضوحاً على الدور الذي تستطيع مسقط القيام به عندما تكون العلاقات بين طرفين مثقلة بتاريخ طويل من عدم الثقة؛ إذ استطاع العُمانيون التهدئة والجميع يعرف الدور الذي قامت به عُمان. ففي عام 2025، استضافت عُمان محادثات بين إيران وأمريكا، وفي فبراير عام 2026، استضافت السلطنة مشاورات مرتبطة بالملف النووي الإيراني. والأهمية هنا لا تكمن فقط في استضافة المفاوضات، وإنما في الموقع الذي تحتله عُمان كقناة اتصال؛ فحين تتعذر الاتصالات المباشرة بين واشنطن وطهران، تصبح سلطنة عُمان -بكونها الدولة القادرة على التواصل مع الطرفين- ذات قيمة استراتيجية تتجاوز حدود الوساطة التقليدية.
والتطورات الراهنة في مضيق هرمز تُذكّر بأن الوساطة، مهما بلغت خبرتها، لا تستطيع ضمان النتيجة، لكن الاتصالات غير المباشرة ما زالت قائمة. وهنا تظهر حقيقة أساسية في علم التفاوض: نجاح الوسيط مشروط بوجود إرادة لدى الأطراف لتقديم تنازلات.
وفي عالم تتسع فيه مساحات الصراع وتضيق فيه مساحات الثقة، تقدم الدبلوماسية العُمانية مثالاً على أن الدول لا تحتاج دائماً إلى امتلاك أكبر قدر من القوة حتى يكون لها تأثير.
فالنفوذ يكمن أحياناً في القدرة على إبقاء الأبواب مفتوحة عندما يغلقها الآخرون. لقد بنت عُمان جزءاً مهماً من حضورها الدبلوماسي على أن الخصومة لا تعني بالضرورة القطيعة، وأن الاختلاف لا يلغي الحاجة إلى الحوار، وأن الوسيط الناجح ليس من يفرض الحل على أطراف النزاع، وإنما من يساعدهم على اكتشاف إمكانية الحل. ولذلك، يمكن النظر إلى الدبلوماسية العُمانية باعتبارها دبلوماسية توازن لا دبلوماسية اصطفاف، ودبلوماسية حوار لا دبلوماسية مواجهة. وفي النهاية، لم تجعل مسقط من الوساطة مجرد أداة تستخدمها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، بل حولتها إلى جزء من هويتها في العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img