محمد زاهر العبري
لماذا أكتب؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الكاتب على نفسه قبل أن يضع نقطة في نهاية أي نص.
أكتب لأنني لا أؤمن بأن القلم وُجد ليملأ المساحات البيضاء، ولا بأن الكلمات خُلقت لتُستهلك ثم تُنسى. أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة موقف، وأن الكتابة مسؤولية، وأن ما نضعه أمام أعين الناس قد يبقى في ذاكرتهم أكثر مما نتخيل.
لكن السؤال الأهم: لمن أكتب؟
هل أكتب لمن يبحث عن المعرفة؟ أم لمن يريد أن يمرر عينيه على السطور ثم ينتقل إلى مقطع آخر؟ هل أكتب للقارئ الذي يفتح كتابًا بحثًا عن فكرة، أم للمتلقي الذي اعتاد أن يحصل على كل شيء في ثوانٍ، مختصرًا ومصوّرًا ومثيرًا؟
نحن نعيش اليوم في زمن تغيّر فيه شكل التلقي بصورة لم نشهدها من قبل. الهاتف أصبح مكتبة، وصحيفة، ومنصة إعلام، ومسرحًا، وساحة للنقاش، وأحيانًا ساحة للفوضى أيضًا. لم يعد القارئ ينتظر الكتاب ليأتي إليه؛ بل أصبحت آلاف الأفكار تتسابق أمامه في شاشة صغيرة.
وهنا تكمن المشكلة.
لم تعد معركة الكاتب اليوم مع الورق، بل مع سرعة العالم.
فالقراءة تحتاج إلى صبر، بينما المحتوى السريع يعلّمنا العجلة. الكتاب يحتاج إلى وقت، بينما المنصات الرقمية تدفعنا إلى الانتقال من فكرة إلى أخرى خلال ثوانٍ. القراءة العميقة تحتاج إلى تركيز، بينما الإشعارات المتتالية تدرب العقل على التشتت.
ولست ضد التقنية، ولا ضد وسائل التواصل الاجتماعي. بالعكس، لقد فتحت لنا أبوابًا عظيمة للوصول إلى المعرفة والتواصل ونشر الأفكار. لكن المشكلة ليست في التقنية نفسها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها.
لقد أصبحنا نملك أدوات هائلة، لكن السؤال: هل أصبحنا أكثر معرفة؟
أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب، وأن يصوّر، وأن يعلّق، وأن يؤثر في آلاف الناس خلال دقائق. وهذه نعمة إذا صاحبها وعي، لكنها قد تتحول إلى عبء حين يصبح الانتشار أهم من الحقيقة، والتفاعل أهم من القيمة، وعدد المشاهدات أهم من جودة الفكرة.
وفي هذا الفضاء المفتوح، اختلطت أحيانًا المعرفة بالاستعراض، والرأي بالحقيقة، والجرأة بالإساءة، والنقد بالتجريح، والاختلاف بالعداء.
صار البعض يكتب لا ليقول شيئًا، وإنما ليُرى.
ويتصور أن ارتفاع عدد المتابعين دليل على ارتفاع قيمة الفكرة، وأن كثرة التفاعل تعني بالضرورة صحة الرأي.
والحقيقة أن الجمهور ليس دائمًا مقياسًا للجودة، كما أن الانتشار ليس دليلًا على القيمة.
قد تنتشر جملة فارغة أكثر من كتاب عظيم، وقد يحصد مقطع عابر ملايين المشاهدات، بينما يقضي كتاب مهم سنوات في بناء عقل واحد.
وهنا أعود إلى سؤالي الأول: لماذا أكتب؟
أكتب لأنني أريد أن أترك شيئًا يتجاوز لحظة النشر.
أريد أن تكون الكتابة مساحة للتفكير، لا مجرد مساحة للظهور. أريد أن أكتب للقارئ الذي لا يكتفي بأن يعرف ماذا حدث، بل يسأل: لماذا حدث؟ وإلى أين يقودنا؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟
أكتب لمن لا يزال يؤمن أن الكتاب ليس قطعة من الورق، وإنما ذاكرة إنسان، وتجربة أمة، وخلاصة عقل.
أكتب لمن لا يزال يفتح كتابًا بعيدًا عن ضجيج الهاتف، ويجلس مع فكرة واحدة حتى النهاية.
أكتب لمن يريد أن يختلف دون أن يسيء، ويناقش دون أن يكره، وينتقد دون أن يهدم.
وأكتب أيضًا لمن يظن أنه لا يحب القراءة؛ لعل كلمة واحدة تفتح له بابًا لم يكن يعرف أنه موجود.
فالكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يسأل فقط: كم شخصًا قرأني؟
بل عليه أن يسأل: ماذا تركت فيمن قرأني؟
هل جعلته يفكر؟
هل دفعته إلى مراجعة فكرة؟
هل أضاف إليه معرفة؟
هل غيّر فيه موقفًا؟
هل منحه لحظة تأمل؟
أم أنه أنهى النص وانتقل إلى غيره دون أن يبقى منه شيء؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
أن نكتب في زمن أصبح فيه النسيان أسرع من القراءة.
أن نحاول أن نصنع أثرًا في عالم يمتلئ بالمحتوى ويفتقر أحيانًا إلى المعنى.
أن نعيد للكتاب مكانته، وللقراءة هيبتها، وللكلمة مسؤوليتها.
لذلك، لا أريد أن أكتب للجميع.
فالكاتب الذي يحاول إرضاء الجميع غالبًا ما ينتهي به الأمر إلى قول لا شيء.
أريد أن أكتب لمن يبحث عن فكرة، ولمن يحترم الكلمة، ولمن يعرف أن المعرفة ليست استعراضًا، وأن الثقافة ليست عددًا من الصور مع الكتب، وأن القراءة ليست ترفًا، وإنما إحدى الوسائل التي نحمي بها عقولنا من أن تتحول إلى مجرد مستهلك للمحتوى.
لماذا أكتب؟
لأنني أؤمن أن الكلمة قد لا تغيّر العالم، لكنها قد تغيّر إنسانًا.
ولمن أكتب؟
لذلك الإنسان الذي ربما يقرأ كلماتي اليوم وينساها، لكن واحدة منها قد تعود إليه غدًا في لحظة يحتاج فيها إليها.
وفي النهاية، ربما لا تكون قيمة الكاتب في عدد من قرأ له، بل في عدد من تغيّر شيء في داخله لأنه قرأ له.
لهذا أكتب.
لا لأملأ صفحات.
بل لأترك أثرًا.


