المصافحة ليست حركة عابرة… بل أدبٌ واحترام

نشرت :

الأستاذ/ معمر بن عوفيت الشحري***

في المجالس والأعراس والمناسبات الاجتماعية والدينية، تتكرر المصافحة باعتبارها صورة من صور السلام والترحيب والمودة. وهي عادة جميلة راسخة في مجتمعنا، لكن جمالها لا يكتمل بمجرد مدّ اليد؛ فالمصافحة قبل أن تكون حركة باليد هي رسالة احترام واهتمام وتقدير للإنسان الذي أمامك.

ومن الملاحظ أحيانًا أن بعض الناس يمد يده للمصافحة بينما وجهه وعيناه متجهتان إلى شخص آخر أو منشغلان بالحديث معه، وكأن المصافحة أصبحت إجراءً سريعًا لا يحمل حضورًا حقيقيًا. وقد يبدو هذا الأمر بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعكس جانبًا من آداب التعامل؛ إذ من الأدب عند المصافحة أن تستقبل الشخص بوجهك، وتنظر إليه نظرة احترام، وتلقي عليه السلام ولو لثوانٍ قصيرة، دون مبالغة أو إطالة تُربك المجلس.

وقد جاءت السنة النبوية بالحث على السلام والمصافحة عند اللقاء، قال النبي ﷺ: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه»، وجاء عن أنس رضي الله عنه أن أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا تلاقوا تصافحوا.
وفي هذا تأكيد على أن السلام والمصافحة وسيلة لتعزيز الألفة والمودة بين الناس.

وفي المجالس الكبيرة والأعراس والمناسبات، قد لا يكون من الممكن مصافحة الجميع، لذلك فالمهم ليس كثرة المصافحة بقدر ما هو حسن التصرف ومراعاة مشاعر الناس دون تكلف أو إحراج.
فالسلام والمصافحة من آداب اللقاء التي تحقق الألفة بين المسلمين، مع مراعاة ما تقتضيه المصلحة وتنظيم الوقت.

حين تصبح المصافحة بلا حضور

المشكلة ليست في سرعة المصافحة، بل في أن تكون بلا حضور.
فأن تمد يدك لشخص بينما وجهك في اتجاه آخر، أو تواصل حديثك مع غيره أثناء مصافحته، قد يترك انطباعًا غير مقصود بأن من أمامك ليس محل اهتمام.

ورغم أن النية قد تكون سليمة، إلا أن الأدب الاجتماعي لا يُقاس بالنيات فقط، بل أيضًا بالأثر الذي يصل للآخرين. ولهذا فإن الالتفات إلى من تصافحه، والابتسامة، وإلقاء السلام بوضوح، وكلمات بسيطة مثل: حياك الله، كيف حالك؟، كلها تفاصيل صغيرة لكنها تصنع فرقًا كبيرًا في جودة التواصل الإنساني.

في الأعراس والمناسبات

في الأعراس والمناسبات الاجتماعية والدينية تزداد الحاجة إلى هذا الأدب، لأن الإنسان يلتقي بعدد كبير من الأشخاص في وقت قصير. وهنا لا يُطلب الوقوف الطويل، بل يكفي أن تكون المصافحة مختصرة ولكن لائقة: سلام، ابتسامة، نظرة احترام، ثم الانتقال بهدوء إلى الشخص التالي.

ومن المعلوم أن السلام حق متبادل، لكن تطبيقه يكون وفق ما تقتضيه طبيعة الموقف دون إفراط أو تفريط.

وهنا يظهر معنى مهم: الأدب ليس مجرد فعل صحيح، بل فعل صحيح في وقته وطريقته المناسبة.

المصافحة مرآة للأخلاق

الأخلاق لا تظهر في المواقف الكبيرة فقط، بل تتجلى بوضوح في التفاصيل الصغيرة: كيف تستقبل الآخرين، كيف تنظر إليهم، كيف تستمع إليهم، وكيف تودعهم.

فإذا صافحت شخصًا، فلا تجعل يدك تسبقه بينما عيناك تبحثان عن غيره. بل امنحه لحظة قصيرة من الاهتمام، فقد تكون هذه اللحظة ذات قيمة أكبر مما تتصور.

وفي زمن أصبحت فيه الهواتف تشغل الانتباه، أصبح الالتفات إلى الإنسان الذي أمامك على حسب معارفه ونوعا من التقدير النادر.

فالمصافحة ليست التقاء أيدٍ فقط، بل التقاء احترام.

وما أجمل أن تعود للمجالس والمناسبات روحها الأولى: البشاشة، وحسن الاستقبال، والكلمة الطيبة، والنظرة الصادقة. فهذه التفاصيل البسيطة قد تترك أثرًا أعمق من أي مجاملة طويلة.

فاليد تصافح اليد، لكن الأدب هو الذي يصافح القلب.
وفي كل مصافحة صادقة تتجلى القيم الإنسانية العميقة التي تجمع القلوب قبل الأيدي.

**كاتب عُماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية،
ماجستير في الإدارة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img