راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
تشهد سلطنة عُمان تحولاً متسارعاً في قطاع الصناعات الدوائية، مدفوعاً برؤية عُمان 2040 واستراتيجية توطين الإنتاج الدوائي وتعزيز الأمن الدوائي الوطني. ومع تزايد الاستثمارات في المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، يتساءل المتابعون: هل تستطيع السلطنة أن تنتقل من مرحلة الاستيراد المكثف إلى منصة إقليمية وعالمية لتصنيع وتصدير الأدوية والمستلزمات الطبية؟
الواقع الحالي: نمو ملحوظ لكن الاعتماد على الاستيراد لا يزال كبيراً
يُقدر السوق الدوائي العُماني بحوالي 752 مليون دولار في 2024، مع توقعات بأن يصل إلى 1.24 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 7.4%. ورغم هذا النمو، لا تزال الإنتاج المحلي يغطي نسبة محدودة من الطلب المحلي، تتراوح التقديرات الرسمية بين حوالي 10% حالياً، فيما كان أقل من 5% في السنوات السابقة. ويُستورد أكثر من 90% من احتياجات السوق. تشير بيانات وزارة الصحة إلى وجود نحو 20 مصنعاً دوائياً عاملاً حالياً، مع خطط لـ18 مصنعاً جديداً قيد الإنشاء أو الترخيص. وقد ارتفعت مشتريات الوزارة من الشركات الوطنية بنسبة 150% في 2025 لتصل إلى حوالي 18.65 مليون ريال عُماني، مع توفيرات مالية ملحوظة. كما وقّعت الوزارة اتفاقيات شراء مسبقة (offtake) مع شركات محلية لدعم الإنتاج المحلي في مجالات مثل الأدوية البيولوجية والإنسولين والأدوية المتخصصة.
تُركز هيئة المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة (OPAZ) على بناء تجمعات متخصصة (clusters) للصناعات الدوائية والطبية وأبرزها مدينة صلالة للصناعات الدوائية والطبية: تكامل بين المنطقة الحرة بصلالة ومدينة ريسوت الصناعية، بمساحة تتجاوز مليون متر مربع. استقطبت صلالة استثمارات دوائية تتجاوز 600 مليون دولار، أبرزها مصنع فايلِكس (Philex) باستثمار 150 مليون دولار وقدرة إنتاجية تصل إلى مليار قرص وكبسولة سنوياً، إلى جانب مصانع أخرى للحلول الوريدية ومحاليل غسيل الكلى.
مدينة الأدوية في خزائن الاقتصادية: مساحة مخصصة تتجاوز 500 ألف متر مربع، واستثمارات تتجاوز 175 مليون ريال عُماني. تضم مشاريع مثل مجمعات صيدلانية متكاملة، مصنع إنسولين، مصانع بيولوجية، ومصنع لقاحات بيطرية بطاقة إنتاجية محتملة تصل إلى ملياري جرعة سنوياً ومناطق أخرى في صحار ومادين، مع مشاريع لإنتاج المواد الفعالة (APIs) والمضادات الحيوية والأدوية الأورامية.
اما الحوافز والبيئة الاستثمارية فتقدم عُمان حزمة حوافز تنافسية تشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى 30 عاماً و إعفاءات جمركية على المواد الخام والمعدات وملكية أجنبية بنسبة 100% وعدم وجود حد أدنى لرأس المال واتفاقيات شراء مسبقة تصل إلى 30% من احتياجات وزارة الصحة وخدمات الشباك الواحد وتسهيلات تنظيمية ولوجستية متقدمة.
تتمتع عُمان بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وموانئ عالمية المستوى (صلالة وصحار)، واتفاقيات تجارة حرة، وبنية تحتية لوجستية متطورة. هذا يؤهلها لأن تكون مركز تصنيع وإعادة تصدير لدول مجلس التعاون الخليجي والأسواق الأفريقية والآسيوية، خاصة في الأدوية الجنيسة والمواد الفعالة واللقاحات والأدوية المتخصصة. كما ان هناك الكثير من الفرص الوعدة في عدة مجالات مثل تصنيع المواد الفعالة (APIs) منها الأدوية البيولوجية واللقاحات و أدوية الأورام والأمراض المزمنة و الأجهزة والمستلزمات الطبية.
كذلك في الجانب الثاني هناك التحديات التي يجب تجاوزها فرغم الزخم، تواجه السلطنة تحديات حقيقية منها الحاجة إلى بناء قدرات بحث وتطوير محلية ونقل تكنولوجيا أعمق و تطوير الكوادر الوطنية المتخصصة والحصول على اعتمادات دولية (مثل FDA وEMA) لتسهيل التصدير إلى الأسواق المنظمة و بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل الموردين المحليين ومختبرات الجودة والتخزين البارد و المنافسة مع مراكز إقليمية أقوى تاريخياً في التصنيع الدوائي. كما ان هناك خبراء يشيرون إلى أن الانتقال من “إحلال الواردات” إلى “التصنيع التنافسي” ثم الاندماج في سلاسل القيمة العالمية يتطلب سياسات مرتبطة بمخرجات قابلة للقياس مثل جذب مستثمرين استراتيجيين، زيادة التصدير، توظيف عمانيين مهرة، وتشجيع البحث والتطوير.
الخلاصة: فرصة حقيقية لكنها تحتاج إلى استمرارية
تُظهر المؤشرات أن عُمان تمتلك المقومات الأساسية لتصبح منصة إقليمية قوية للصناعات الدوائية، وربما منصة عالمية متخصصة في مجالات معينة مثل المواد الفعالة أو اللقاحات أو الأدوية المتخصصة. الدعم الحكومي الرفيع المستوى، والتجمعات الصناعية المخصصة، والحوافز السخية، والموقع اللوجستي، كلها عوامل تدفع في هذا الاتجاه. ومع ذلك فإن التحول إلى “منصة عالمية” يتطلب أكثر من بناء المصانع: يحتاج إلى استمرارية في السياسات، استثمار في الابتكار والموارد البشرية، وبناء سمعة جودة دولية. إذا نجحت السلطنة في تحويل هذه التجمعات إلى منظومات متكاملة قادرة على التصدير، فقد تصبح عُمان خلال السنوات القادمة لاعباً مؤثراً في خريطة الصناعات الدوائية الإقليمية والعالمية، بما ينسجم مع أهداف رؤية عُمان 2040 في التنويع الاقتصادي وتعزيز الأمن الصحي.



