“خوارزمية الروح”.. قصائد نثرية مُوَلَّدة بالذكاء الاصطناعي

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

يفتح ديوان "خوارزمية الروح: قصائد نثرية مُوَلَّدة بالذكاء الاصطناعي" الباب واسعًا أمام النقاشات الدائرة حول دور الذكاء الاصطناعي في الفنون، وحدود تدخله في العملية الإبداعية.

وما بين مؤيد يرى في هذا الذكاء فتحًا إبداعيًّا جديدًا، ومتحفّظ يخشى على روح الشعر وطبيعته الإنسانية، يأتي الديوان الذي جاء برؤيةٍ وتوجيهٍ أسلوبيّ من الشاعر الدكتور حسام اللحام، ليقدم تجربة لافتة تمهّد الطريق نحو أدبٍ تتجاور فيه الإنسانية والتقنية، في أفق إبداعي مفتوح لا يحدّه سوى الخيال، ليكون بذلك من أبرز التجارب الأدبية العربية التي تستثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الشعر، وتعيد طرح أسئلة الإبداع في العصر الرقمي.

ويعدّ هذا الديوان أولَ كتاب ورقي عربي لشعرٍ تمّ توليده بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ما يمنحه حضورًا ثقافيًّا وماديًّا لافتًا، ويؤشر إلى انتقال هذا النوع من التجارب من الفضاء الرقمي إلى الحقل الأدبي التقليدي؛ حيث يعتمد الديوان نموذجًا هجينًا لا يقوم على "التوليد الآلي الخام"، بل على ما يصفه اللحّام بـ"الرؤية والتوجيه الأسلوبي"، ويتدخل الشاعر بوصفه مديرًا للعملية الإبداعية، موجّهًا النصوص ومعدّلًا لها.

وضم الكتاب الواقع في نحو 140 صفحة، مجموعة من قصائد النثر، توزعت على عناوين ذات طابع تأملي وفلسفي، من مثل: "نشيد الكينونة"، و"العائد من ظلال التيه"، و"هدية النور"، و"كتاب الأرض المنسية"، تسعى جميعها إلى استكشاف مناطق عميقة في التجربة الإنسانية، كقضايا الروح والغيب والخلود، عبر أداةٍ تبدو في ظاهرها منطقية بحتة، هي الخوارزمية، في مفارقةٍ جمالية تلفت النظر.وقال الشاعر الدكتور ناصر شبانة: "إنّ شعر الذكاء الاصطناعي ليس بعيدًا عن يد الإنسان؛ فهو منتَج إنساني في المقام الأوّل، فالآلة لا تصنع شعرًا من تلقاء نفسها، إلا إذا طُلب منها ذلك، وكلّ قصيدة ينتجها الذكاء الاصطناعي يقف خلفها شاعرٌ بشريّ يدير من وراء الكواليس خيوط القصيدة، وهو من أسمّيه: المُشغِّل أو المدير، أو الشاعر الظلّ، الذي يُحسِنُ السؤال، ويُحسِنُ الطلب، فيحصل على المراد بقدر اجتهاده، وحسن تأتّيه، واستعداده". وأكد في تقديمه للديوان أن هذه التجربة تندرج ضمن التحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي، معتبرًا أن الجدل حول "شعر الذكاء الاصطناعي" لا يختلف عن الجدل الذي رافق ظهور قصيدة النثر أو الشعر الحر، وأن القيمة الحقيقية تكمن في النص ذاته لا في هوية منتجه.

ولعل من أبرز ما يميّز هذا الديوان اعتماده على قصيدة النثر كقالب فني، وهو ما يُعدّ تحديًا حقيقيًّا للذكاء الاصطناعي، إذ لا تقوم هذه القصيدة على الوزن والقافية، بل على الإيقاع الداخلي وكثافة الصورة والتدفق الحر؛ ما يجعل نجاح التجربة في هذا الإطار إنجازًا نوعيًّا.

وتحضر في النصوص الرموز التاريخية والدينية التي تم دمجها ضمن نسيجٍ شعري حديث، وكذلك انفتاح الديوان على قضايا معاصرة في العالم العربي، حيث يقدّم نموذجًا لما يمكن تسميته "الشعر الملتزم المولّد بالذكاء الاصطناعي"، خاصة في تناوله للمأساة الفلسطينية. فنقرأ مثلًا:

"كلُّ حرفٍ يُمْحَى يَعودُ

كَغُصنِ زَيتونةٍ

وكلُّ صَفْحةٍ تُحرَقُ تُصبِحُ أُغنيةً

الدَّمُ الفِلسطينيُّ

يَنسِجُ أسماءَهُ على الرِّيحِ

وأَشباحُ الذينَ حاوَلوا

أنْ يُطفِئُوا النُّورَ تُطارِدُهم ذاكرةُ الأرض".

وعلى صعيد اللغة، يقدّم الديوان نموذجًا بارزًا في توسيع الحقل الدلالي، حيث تنجح الخوارزميات -بتوجيهٍ إنسانيّ- في إنتاج صور واستعارات مكثفة تتجاوز الفهم الحرفي للّغة إلى مستويات مجازية عميقة، وهو ما يعكس قدرة هذا النمط من الكتابة على مقاربة الشعر الوجداني بأساليب جديدة.

ويطرح الديوان أيضًا تطبيقًا عمليًّا لنظرية "موت المؤلف"، حيث يواجه القارئ نصًّا شعريًّا يدرك مسبقًا أنه لا ينتمي إلى مؤلفٍ تقليدي واحد؛ ما يدفعه إلى التركيز على النص بوصفه كيانًا لغويًّا مستقلًّا، بعيدًا عن السيرة الذاتية أو السياق الشخصي لصاحبه.

كما يؤسس هذا الديوان لمفهوم "الشاعر الظل" أو "المدير الأسلوبي" الذي يعيد تعريف دَور الشاعر من كونه منتِجًا مباشرًا للنص إلى كونه موجّهًا وفاعلًا في تشكيله، في تفاعلٍ مستمر مع قدرات الذكاء الاصطناعي، كما يفتح البابَ أمام نمط جديد من التلقي، حيث يتحرر النص من سلطة المؤلف لصالح الجمالية الخالصة.

ويمثّل الديوان صرخة رياديّة في وادي الصمت الرَّقمي العربي، ممهِّدًا الطريق لنمط جديد من الإنتاج الثقافي الذي يتصالح مع الآلة دون أن يذوب فيها. وربما أن أوجه الريادة التي وسمت هذا العمل تجعل منه وثيقة تاريخيّة؛ ليس لكونه "الأوّل ورقيًّا فحسب"، بل لكونه يتسم بالجرأة في طرح الأسئلة الوجوديّة من خلال وسيط تكنولوجي.

جدير بالذكر أن هذا العمل يفتح الباب أمام مستقبل تندمج فيه "بصيرة الحدس" الإنساني مع "منطق الخوارزميّة" الآلي؛ لإنتاج أدب يتجاوز حدود الذاكرة القاصرة للشاعر الفرد إلى آفاق المعالجة الفائقة للبيانات الثقافية الكبرى.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img