مصدر الخبر: الوكالة العمانية
تظهر تجربة الكاتب العُماني بدر بن ناصر الوهيبي في أدب الرحلات في كونها رصدًا لواقع مجتمعي ثقافي إنساني تتعدّد رؤاه وتوجهاته، فمن خلال رحلاته يقدم الكاتب تجارب واقعية لمجتمعات تتشابك رؤاها وتوجهاتها الإنسانية، وهذا ما رصده كتابه "قطار الليل إلى أوديسا".
حول هذا الكاتب يقول الكاتب الوهيبي: "قطار الليل إلى أوديسا" محطة مختلفة في مشروعي الأدبي كونه كُتب في منطقة فاصلة بين تجربتين زمنيتين: ما قبل التحوّل، وما بعده. فقد جاءت فكرة الكتاب بعد رحلتين متقاربتين إلى أوكرانيا، كنت خلال الأولى أفكر في التدوين، لكن التجربة لم تكتمل إلا بعد الرحلة الثانية، ومعها بدأت ملامح واقع جديد تتشكل في المنطقة ألا وهو "الاضطراب" الذي لا تزال تمر به. هذا التوقيت منح النص بُعدًا إضافيًّا، إذ لم أعد أكتب عن مدن كما رأيتها فقط، بل كما كانت قبل أن تتغير ملامحها.
وأضاف: ما يميز الكتاب أن القارئ هنا يطالع مدنًا مثل كييف ولفيف وأوديسا في لحظة تاريخيّة سبقت تحوّلاتها الكبرى. ومع ذلك، يظل الكتاب أيضًا امتدادًا لتجربتي في أدب الرحلات من حيث البناء السردي القائم على اليوميات، والاهتمام بالتفاصيل الإنسانية، وتقديم الرحلة بوصفها تجربة معيشة تتقاطع فيها الذات مع المكان.
ويؤكد في سياق الحديث على أنه لم يتعامل مع الرحلة إلى أوكرانيا في كونها زيارة سياحية بالمعنى التقليدي، بل محاولة لفهم المكان في أبعاده المتعدّدة. فالجمال الذي تلتقطه عين السائح يظل حاضرًا، لكنه لا يكتمل دون استحضار الخلفية التاريخية التي شكّلت هذا الجمال وأعطته معناه. لذلك، كان من الطبيعي أن يتداخل الوصف مع التأمل، وأن تتحول المشاهد العابرة إلى مداخل لقراءة أعمق في تاريخ المكان.
ويوضح أنه عند الحديث عن تشيرنوبيل، مثلًا، لا يمكن الاكتفاء بوصفها موقعًا مهجورًا، بل لا بد من استحضار الحدث النووي الذي جعل منها رمزًا عالميًّا. وكذلك الحال مع المدن الأخرى التي تحمل في شوارعها أثر تاريخ قديم مرت به. فحتى اللقاءات اليومية مع الناس كانت تفتح أبوابًا للحديث عن الماضي والحاضر معًا. ومن هنا، جاءت الموازنة بشكل طبيعي، لأن المكان في نظري لا يُختزل في صورته الظاهرة، بل في الذاكرة التي يحملها.
وأشار إلى أن حضور /الآخر/، الإنسان في هذا الكتاب لم يكن نتيجة تخطيط مسبق بقدر ما كان نتاجًا طبيعيًّا لمسار الرحلة نفسها. وأكد على أنه وجد أن فهم المكان لا يكتمل دون الاقتراب من الناس الذين يعيشونه، والاستماع إلى رواياتهم الخاصة عن حياتهم وتاريخهم ومن خلال شخصيات مثل المرشد السياحي "كونستانتين" في كييف، أو "أناتولي" الذي رافقنا في رحلة القطار إلى لفيف، انفتحت أمامي نوافذ متعدّدة على المجتمع الأوكراني، ليس فقط من حيث العادات والتقاليد، بل من حيث العلاقة المعقّدة مع التاريخ والاضطرابات التي تؤثر عادة على المجتمع، فهذه اللقاءات، رغم عفويتها، شكّلت جزءًا مهمًّا من بنية النص، لأنها منحت التجربة بُعدًا إنسانيًّا لا يمكن الوصول إليه عبر الوصف الخارجي فقط. وحتى التفاصيل الصغيرة، مثل الاحتفاء بارتداء "الفيشيفانكا"، تحولت إلى مدخل لفهم أعمق للهُويّة الثقافية. وبهذا المعنى، لم يكن الآخر مجرد عنصر ثانوي، بل كان وسيطًا أساسيًّا لفهم روح المكان.
وقال الوهيبي إن القارئ سيجد في هذا الكتاب تجربة أكثر اقترابًا من الحافة، سواء من حيث الموضوع أو من حيث طبيعة القرارات التي تشكّل مسار الرحلة. ولم تعد الرحلة تسير دائمًا وفق تخطيط مسبق، بل تفسح المجال للمصادفة والمغامرة، كما حدث في قرار زيارة مدينة "أومان"، وهي وجهة غير تقليدية تحمل خصوصية ثقافية معقدة. وهذا النوع من القرارات يفتح أمام النص مساحات جديدة للدّهشة والتساؤل، ويمنح التجربة عمقًا يتجاوز الإطار السياحي المعتاد.
أما فيما يتعلق بكتاب "ليلة الهروب من براغ" فيشير الوهيبي إلى تغيّر زاوية النظر إلى الرحلة نفسها قبل أن تتغير طريقة كتابتها. وقال: لم أعد معنيًّا بتقديم الرحلة بوصفها خطًّا زمنيًّا مُتكاملًا يبدأ من لحظة الوصول وينتهي بالمغادرة، بقدر ما أصبحت مشغولًا بالتقاط اللحظة الأكثر كثافة داخل هذه الرحلة. هذا التحول جعلني أميل إلى التركيز على موقف بعينه، أو مدينة محدّدة، أو تجربة تختزل جوهر الرحلة، ثم إعادة صياغتها في نص قائم بذاته.
وأشار إلى أن الكتاب جاء أقرب إلى مجموعة من المقالات التي تتجاور فيما بينها دون أن تتقيد ببنية سردية واحدة، حيث يحمل كل نص فكرة أو تجربة مستقلة، لكنه في الوقت نفسه ينسجم مع الروح العامة للكتاب. كما أن هذا التوجه أتاح لي مساحة أوسع للاشتغال على اللغة، فبدلًا من الاكتفاء بالسرد التقريري، حاولت أن أقترب من النص الأدبي الذي يوظف الصورة والتشبيه، ويمنح التفاصيل اليومية بعدًا أكثر عُمقًا وتأثيرًا.
ووضح أنه لا يمكن لأي تجربة سفر أن تخلو من تحديات، خصوصًا حين يكون الاختلاف الثقافي حاضرًا بهذا الوضوح. ففي كل رحلة، يجد الإنسان نفسه أمام أنماط جديدة من السلوك والتفكير، بعضها قد ينسجم معه، وبعضها الآخر قد يضعه في مواقف صعبة تتطلب قدرًا من الصبر وإعادة النظر في الأحكام المسبقة.
وأكد على أن المكان يحتل في هذا الكتاب موقعًا مركزيًّا، لا كونه إطارًا للأحداث فحسب، بل عنصرًا فاعلًا يوجّه مسار السرد ويمنحه معناه. ويضيف: حاولتُ أن أجعل منه محورًا تدور حوله النصوص، بحيث لا يمكن فصل الحكاية عنه، بل تصبح امتدادًا له وانعكاسًا لروحه. لذلك جاءت عناوين النصوص مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالأماكن التي تدور فيها، وكأنها تعلن منذ البداية أن المكان هو نقطة الانطلاق في كل شيء. ويتضح هذا بشكل خاص في عنوان الكتاب نفسه، "ليلة الهروب من براغ"، الذي يقوم على مفارقة تثير التساؤل حول فكرة الهروب من مدينة تُعرف بجمالها. هذه المفارقة لم تكن مجرد عنوان، بل مدخلًا لبناء النص، حيث يتحول المكان إلى عنصر ضاغط يفرض منطقه على السرد. أما حضور التاريخ، فهو امتداد طبيعي لاهتمامي الشخصي به، إذ يصعب عليّ أن أكتب عن مدينة دون التطرق إلى خلفيتها التاريخية أو الثقافية، سواء بشكل مباشر أو ضمني. هذا الحضور لا يمنح النص عمقًا معرفيًّا فحسب، بل يسهم أيضًا في تشكيل اللغة، بحيث تصبح أكثر انسجامًا مع طبيعة المكان وسياقه.
وأضاف: ما سعت إليه هذه النصوص هو تقديم تجربة واقعية كما عشتُها، دون محاولة لتجميلها أو إعادة صياغتها بما يخفي تناقضاتها. فقد حرصتُ على أن يظهر في الكتاب كلا الجانبين: لحظات الدهشة والانجذاب، إلى جانب المواقف الصعبة التي قد يواجهها المسافر في طرق لا يتوقعها. فالقيمة التي أردتُ إيصالها لا تكمن في تقديم خلاصات جاهزة، بل في إتاحة مساحة للقارئ ليعيش التجربة، ويفكر فيها، ويستخلص دلالاتها بطريقته الخاصة. فالنص، في النهاية، لا يفرض معنى واحدًا، بل يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة للقراءة والتأويل، وهذا ما يمنح الرحلة قدرتها على البقاء في الذاكرة.


