مجاهد السرحني.. عندما يتحول الشغف إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

تُولي سلطنة عُمان اهتمامًا بالغًا بقضايا الإعاقة وتمكين أصحابها في مختلف المجالات، بما يُسهم في تعزيز قدراتهم وتحويل التحديات إلى آفاق رحبة للإبداع والمشاركة الفاعلة في الوطن.

ويبرز مجاهد بن إسحاق السرحني كأحد النماذج الشبابية الملهمة التي استطاعت تغيير الصورة النمطية وخوض تجربة متميزة رغم الإعاقة الذهنية؛ إذ بدأت مسيرته من عالم الرياضة لتتسع إلى مجالات القيادة والمشاركة في المحافل الدولية، مقدمًا مثالًا حيًّا عن العزيمة والشغف والتميز والنجاح.

وقال السرحني في حديث لوكالة الأنباء العمانية: "بدأت رحلتي مع الرياضة عندما انضممت إلى الأولمبياد الخاص العُماني منذ أكثر من 10 سنوات. كانت البداية مع لعبة الريشة الطائرة، ثم انتقلت إلى التنس الأرضي، وتمكنت من تحقيق عدد من الميداليات الفضية والذهبية، ولكن مع مرور الوقت أدركت أن الرياضة بالنسبة لي ليست مجرد منافسة أو منصة لتحقيق الميداليات، بل رسالة إنسانية أوسع".

وأوضح أنه من خلال الرياضة أراد أن يثبت للمجتمع أن الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية يمتلكون قدرات كبيرة إذا مُنحت لهم الفرصة المناسبة، مؤكدًا أن اختياره متحدثًا رسميًّا عالميًّا للأولمبياد الخاص الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت اللحظة التي أصبح فيها طموحه رسالةً ومسؤولية وطنية، تهدف إلى نقل صوت زملائه اللاعبين، وإيصال رسالتهم للعالم، وإلهام الآخرين بالإيمان بقدراتهم.

وفيما يتعلق بالتحديات ومحطات الإصرار، أوضح السرحني أن رحلته لم تكن خالية من التحديات، بل كانت مليئة بالمواقف التي شكّلت شخصيته ومنحته قوة أكبر للاستمرار، مشيرًا إلى أن أبرز هذه التحديات تمثلت في المسار التعليمي بعد الصف التاسع بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. لكنه لم يسمح لهذه العقبات الأكاديمية أن تقف عائقًا أمام طموحه، بل واصل السعي والتعلم.

وأوضح أنه عند انتهائه من دراسة الصف التاسع في مدرسة التربية الذهنية، التحق بنظام تعليم الكبار لإكمال دراسته، مشيرًا إلى أنه واجه صعوبات في بداية مسيرته ولم يجتز السنة الأولى من الصف العاشر، ولكن من خلال العزيمة والإرادة واجه التحديات وأكمل الدراسة في المدارس الحكومية إلى الصف الثاني عشر. والتحق بكلية الشرق الأوسط، وحصل على شهادة الدبلوم العالي في تخصص إدارة الوثائق والمحفوظات.

وأكد أن هذه التجربة علّمته أن الإصرار يمكن أن يحوّل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والنجاح، وعززت من ثقته بنفسه وإيمانه بأن الإنسان قادر على تحقيق أهدافه وتجاوز التوقعات مهما كانت الصعوبات.

وحول دوره القيادي، فقد بيّن أن دوره كمتحدث رسمي عالمي للأولمبياد الخاص الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعد منصة حيوية وصوتًا معبرًا عن زملائه اللاعبين، ونقل قصصهم وإنجازاتهم إلى المجتمع والعالم. مؤكدًا أن مسؤوليته كمتحدث تحتم عليه أن يحرص على تشجيعهم على تحديد أهداف واضحة والعمل بإصرار لتحقيقها، والوقوف إلى جانبهم في مواجهة التحديات ومساعدتهم على إيجاد الحلول، إيمانًا راسخًا بأن نجاح أي لاعب هو نجاح للجميع، وأن روح الفريق والدعم المتبادل هو الطريق الحقيقي لصناعة الإنجاز.

وتطرق إلى مسيرته الرياضية قائلًا: "من خلال مسيرتي الرياضية، تمكنت من تحقيق عدد من الإنجازات على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وكان لي شرف تمثيل سلطنة عُمان في العديد من المحافل المحلية والإقليمية والدولية للأولمبياد الخاص، والمشاركة في برامج ومؤتمرات تُسهم في تمكين اللاعبين من ذوي الإعاقة الذهنية وتعزيز دورهم القيادي في المجتمع، كالمشاركة في المؤتمر الإقليمي للشباب القادة في القاهرة عام 2014. كما تم تعييني عام 2024 من قبل المكتب الدولي في واشنطن كمتحدث رسمي عالمي للأولمبياد الخاص الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (2024–2027)، والمشاركة في الدورة التدريبية الإقليمية في الكويت لإعداد مدربي برنامج الأنشطة الحركية(MATP) للإعاقة الذهنية الشديدة، والحصول على صفة مساعد مدرب دولي".

وأردف: "بالإضافة إلى المشاركة في مؤتمر مجلس مداخلات اللاعبين القادة في جدة – المملكة العربية السعودية 2024، والمشاركة في مؤتمر مجلس مداخلات اللاعبين القادة في عمّان – الأردن 2025، أما المشاركات العالمية فشملت المشاركة في الألعاب الشتوية العالمية للأولمبياد الخاص في إيطاليا عام 2025 كمتحدث رسمي عالمي للأولمبياد الخاص الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإلقاء خطاب أمام جمهور عالمي لتعزيز دمج الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية في المجتمع، والمشاركة في برنامجMATP كمدرب للأنشطة الحركية للإعاقة الذهنية الشديدة، وتكريم الفائزين في سباق الجري على الثلج خلال الفعاليات".

وأكد أن هذه الإنجازات لم تكن إنجازًا شخصيًّا فحسب، بل هي جزء من قصة نجاح وطنية تعكس ما يمتلكه الشباب العُماني من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية من طاقات وقدرات وإرادة قوية.

وحول تصوراته المستقبلية، أوضح السرحني أن الرياضة في سلطنة عُمان تمتلك إمكانات كبيرة لصناعة نماذج ملهمة من النجاح والتميّز، ومع استمرار دعم المؤسسات والمجتمع، يمكن للرياضة أن تتحول إلى منصة حقيقية لاكتشاف المواهب، وتعزيز الثقة بالنفس، وفتح آفاق أوسع أمام الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية ليكونوا شركاء فاعلين في التنمية وبناء المجتمع.

وفيما يتعلق بالتطوير وصناعة الأبطال، فقد أكد السرحني أن التطوير لا يقتصر على التدريب البدني فقط، بل يمتد ليشمل تنمية المهارات القيادية وبناء القدرات الشخصية للاعبين، بما يمكنهم من أن يكونوا قادة مؤثرين ونماذج ملهمة في مجتمعاتهم، مشيرًا إلى أن مشاركته في برنامج التدريب على القيادة في واشنطن ساعدته في اكتساب العديد من المهارات الحيوية، من أبرزها مهارات القيادة، والتواصل الفعّال، والتحدث أمام الجمهور، إضافة إلى القدرة على تحديد الأهداف ووضع الخطط العملية والعمل بجد لتحقيقها، موضحًا أن هذه التجربة أسهمت في تعزيز ثقته بنفسه وتطوير قدراته القيادية، مما مكّنه من نقل هذه الخبرات إلى زملائه اللاعبين، والمساهمة في دعم وتمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية من خلال الرياضة.

وقال: "هدفي اليوم هو نقل هذه الخبرات إلى زملائي اللاعبين، ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم وثقتهم بأنفسهم، حتى نتمكن معًا من صناعة جيل جديد من الأبطال والقادة الذين يؤمنون بقدراتهم ويسعون لتحقيق التميز".

وتطرق إلى التأثير وصناعة الوعي الإيجابي، مؤكدًا أن رسالته في كل محفل يشارك فيه تتمثل في التأكيد على أن الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية يمتلكون طاقات وقدرات كبيرة، متى ما أُتيحت لهم الفرص المناسبة وحصلوا على الدعم اللازم لإبراز إمكاناتهم الحقيقية.

وأشار إلى أنه من خلال مشاركته في المؤتمرات والفعاليات المختلفة، إلى جانب حضوره الفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعمل على نقل صوت لاعبي الأولمبياد الخاص وإبراز إنجازاتهم، وتسليط الضوء على قصص نجاحهم، وإظهار الصورة الحقيقية لهم كأشخاص قادرين على التميز والنجاح والمساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعهم، مضيفًا أن الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية جزء أساسي من المجتمع، ولا يكتمل المجتمع ولا يحقق تقدمه الحقيقي إلا بمشاركتهم الفاعلة وإتاحة الفرص لهم ليكونوا شركاء في البناء والتنمية.

وحول رؤيته المستقبلية، أوضح السرحني أنه ينظر إلى المستقبل بتفاؤل كبير وإيمان عميق بقدرة الإنسان على تحقيق طموحاته مهما كانت التحديات، وخلال السنوات القادمة يسعى إلى تطوير مهاراته بشكل أكبر، خاصة في مجال التحدث أمام الجمهور وتعلم اللغة الإنجليزية، حتى يتمكن من إيصال رسالته إلى جمهور أوسع حول العالم.

كما يطمح بأن تُفتح أمام الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية كافة مجالات الحياة في التعليم والعمل والرياضة، وأن تُتاح لهم الفرص لتطوير مواهبهم وإبراز قدراتهم الحقيقية. ويتطلع إلى أن يرى المزيد من اللاعبين من سلطنة عُمان يصلون إلى المنصات العالمية في الأولمبياد الخاص وغيرها من المحافل الدولية، وأن تتحول قصص نجاحهم إلى مصدر إلهام للمجتمع بأكمله.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img