قصةُ باحث.. بين الخوف والرجاء

نشرت :

عبدالله سليمان العامري

طوى سبعةَ عشرةَ عاماً من عُمرهٍ بعد كفاحٍ ومعاناة … سهر الليالي … أعد نفسه إعداداً جيدا آمِلاً في تحقيق طموح عظيم ومستقبل جميل مُشرّفْ .
كان نجاحٌ باهرٌ … توّج بحفلِ رائع … غمرتهُ السعادة … فإذا السعادة مؤقته .

فبعد ذلك العمر الطويل من الإجتهاد والكفاح ، وآمال بحجم الجبال وجد نفسه مع عشرات الألآف في قائمة ” باحث عن عمل” .
يقضي فيها الجميع أوقات مختلفة بما يملكون من تحصيل ، قد يزيد أويقل .
وتتفاوت فترات الإنتظار ، فمنهم من قضى خمس سنوات وأكثر ، ومنهم من أكمل عشر سنوات … يتجرعون خلالها مرارة الإنتظار … فالإنتظار مُرّ … والأمرّ منه الصبر …
وبحسبةٍ مبسطةٍ أمضى من عمره أكثر من ٤٥٠٠ يوم دراسي خلال ٢٢ سنة من التحصيل والإعداد ، أضيف إليها خمس سنوات إنتظار أي أكثر من ١٨٠٠ يوم …
يلتقي الأصدقاء وهو في حرج بحصيلةٍ تزيد على ٦٠٠٠ يوم أنقضت من عمره في كفاحٍ ، وإنتظار وصبر …
إنسان مكسور … أشتدّ به اليأس … يبحث عن إنسان … يبحث عن من ينتشله … ظاهِرهُ سعادة وفي صدره ألآم … أنهكه الإنتظار والصبر … دبّ اليأس في الروح … إنسان أشتدّ به الظمأ والماء ينساب زُلال في أفواه الآخرين … إنسان بلا مورد … يسأل بماذا يصنف من لا مورد له ؟ ومقياس قيمة الإنسان في هذا العصر بما يملك من مال لاغير …
ربما تخطف عليه فرصة مدججة بالشروط بعد أن فقد الكثير مما أعد وجهز … يتلقفها مضطربا ومرعوباً من أن يأتيه الرد ” أنتهت صلاحيتك وصلاحية ما أعددت ” .
ذرائع لا يتقبلها قلبه المحطم … يحدثُ ذلك
وهو يعلم تماماً أن وطنه عُني بالموارد … فالمشاريع تتلو المشاريع … والغني يزداد غنى والأرباح خيالية والعائدات كبيرة … ورواتب البعض عشرات الآلاف وآخرون بضعة ألآف …
يحدث ذلك وأمله بعد أن أعدَّ نفسه أن يكون هو المشروع الأول ليشارك في مشاريع بناء الوطن بل في مقدمة بُناة الوطن … وبناء مستقبله …

يحدث ذلك وهو يُدرِكْ أن السلطة التنفيذية لا يمكن لها أن تقفز بوعودها على تلك الحقائق والآثار النفسية التي يواجهها … والمخاطر المحدقة به وبالمجتمع ، في عصر مليء بالمفاسد والإنحلال الخلقي … ويُدرِكْ أن الرفق بهذه الفئة وبالمجتمع وصونها ضرورةٌ فوق كل ضرورة …

تلك الفئة ترى من هم خارج القائمة يملأون بطونهم بما لذّ وطاب … سيارات فارهه وبيوت عامره وقصور فاخرة … وكلُ وأسرته وأبناءه ومسكنه الخاص …
يرى ذلك وأيامه تتناقص … والمعرفة تتبخر … يلتفت يمين فيرى الكل سعيد … يلتفت شمالا فيرى الكل سعيد … فتعصر روحه آلام الإنتظار … وهو يعلم أنه ينتظر إستحقاقات ما فقد من أيام عمره في إعداد نفسه وصبره وإنتظاره لذلك اليوم الجميل المشرق …

عندما يفقد الإنسان بعضاً مَن المال … يصاب بحسرة ويكتنفه الغم … وربما يفقد شيئاً آخر ثمين لكن ذلك قد لا يغير شيئ في مجرى حياته ومستقبله … ذلك الفقدان لا يعادل فقدان المستقبل …

وللأوطان ثروتان وأغلاها الإنسان … ومن البديهي أن يختل ميزانَ إستثمار الثروات إذا عُطِّلَتْ الثروة البشرية أو جزء منها …
فتصبح ظاهرة إختلال إستثمار الثروات خطراً على تلك الفئة وعلى المجتمع …
وعندما يخضع حق المواطن بالوظيفة للفلسفة وزخرفة التقصير تكون النتيجة ظواهر خطيرة …

يسكن ٣٥ مليون فقير في شوارع أغنى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية … وقد وصل عدد المليارديرات فيها في هذا العام إلى ٩٨٩ مليارديراً … ويمتلك المليارديرات فيها مجتمعين ثروة تقدر بـ ٤، ٨ تريليون دولار …

وفيها وفي غيرها من الدول أحوال تهز البدن ويشيب لها الولدان … نراها عبر شاشات التلفاز والجوال ….
أجساد لا تملك سوى أنفاسها … ممدة في الشوارع …… أجساد بشر أنسلخت من الإنسان عندما تخلى عنها الإنسان … عقول مخدرة … وهلوسه … وجرائم …

عندما تستأثر فئة بمقدرات الوطن وتجنى الأموال الطائلة تُصبح تلك الظاهرة نمط حياة إجتماعية بما لها من أضرار ومخاطر مخيفة على الإنسان … ويصبح الباحث عن عمل قصة إنسانية بين الخوف من الضياع في زحمة الإستئثار وبين والرجاء …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img