د. حامد شظا المرجان
باحث و أكاديمي
يشكل بناء الديمقراطية، بوصفها مدخلًا لتحديث البنى السياسية التقليدية في العالم العربي، قضية محورية أثارت تساؤلات واسعة حول الشروط الثقافية والاجتماعية القادرة على تهيئة المجتمعات للتحول الديمقراطي الحقيقي. فعملية الانتقال من نظام سياسي إلى آخر لا يمكن أن تتحقق بصورة فاعلة ما لم تستند إلى ثقافة سياسية تؤمن بالتغيير وتستوعب متطلباته.
وقد كشفت أحداث ما عُرف بـ«الربيع العربي» عن هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ استطاعت الشعوب إحداث تغييرات سياسية وإسقاط قيادات حاكمة، لكنها اصطدمت بجملة من التحديات، أبرزها غياب البنى السياسية الحديثة القادرة على تأسيس نظام يقوم على المشاركة وقبول الآخر. ومن هنا، فإن نجاح المجتمعات في تغيير القيادات لا يعني بالضرورة نجاحها في تغيير النظام السياسي ذاته، خاصة إذا بقيت الأهداف الكبرى للإصلاح والتحول الديمقراطي بعيدة المنال.
إن بناء الديمقراطية وتحديث الفكر السياسي للمجتمعات يمثلان الأساس لأي تحول سياسي ناجح، الأمر الذي يتطلب وجود بنية تحتية ثقافية وسياسية تسبق تطبيق أي نظام حكم ديمقراطي. وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني باعتباره أحد أهم ركائز التحديث، من خلال ما يضطلع به من أشكال العمل الأهلي والتنموي، وما يؤديه من أدوار تشاركية مع الدولة في خدمة المجتمع.
ولا يمكن للمجتمع المدني أن ينمو ويتطور إلا في بيئة حرة، يتمتع فيها الأفراد بحقوق المواطنة الكاملة، ويتشاركون بصورة عادلة ثمار العمل الاجتماعي، ويسهمون في ترسيخ الأسس الديمقراطية القائمة على تبادل القيم والمصالح ضمن إطار قانوني منظم وواضح. كما أن ذلك يتطلب ثقافة سياسية تؤمن بالمشاركة والتعددية والاختلاف، وتفتح المجال أمام نشوء فضاءات اجتماعية وسياسية جديدة.
غير أن هذا المناخ كان غائبًا إلى حد كبير في العديد من دول الربيع العربي، حيث فرضت أجهزة الدولة سيطرتها على فضاءات التعبير المختلفة، وأخضعتها لرقابة مشددة، ولم تسمح إلا بهوامش محدودة من النقد والاحتجاج ضمن حدود مرسومة مسبقًا. ونتيجة لذلك، لم تتمكن مؤسسات المجتمع المدني من بناء ثقافة سياسية تسهم في تحقيق أهداف التغيير والإصلاح.
ورغم وجود العديد من مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، والتي تتنوع بين منظمات حقوق الإنسان، وجمعيات الدفاع عن التنمية وحقوق المرأة والطفل، إضافة إلى الجمعيات المهنية، فإن أداء الكثير منها ظل محدود الفاعلية على أرض الواقع. وقد أدى ذلك إلى تحول بعضها إلى مؤسسات شكلية تستكمل مشهدًا مؤسساتيًا هشًا، الأمر الذي انعكس سلبًا على طموحات قطاعات واسعة من المواطنين في بناء مؤسسات قادرة على الإسهام في التنمية المجتمعية.
كما جرى في كثير من الأحيان تضييق دور المجتمع المدني وحصره في تقديم الخدمات الاجتماعية، بدلًا من إشراكه كشريك حقيقي في عملية التنمية وصناعة القرار، مع تهميش أدواره الأهم المرتبطة بترسيخ قيم المواطنة والمشاركة العامة. ووقفت جملة من التحديات والعوائق أمام قيام هذه المؤسسات بدورها في مواجهة البنى التقليدية السائدة، مما أفقدها جزءًا كبيرًا من فعاليتها في دعم التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي.
وتعاني معظم مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي من علاقة متوترة مع أجهزة الدولة والأنظمة السياسية، التي تضع الرقابة على الفضاء السياسي والاقتصادي والثقافي ضمن أولوياتها الأساسية، بما يجعل من الصعب نشوء مؤسسات مستقلة لا تحظى بموافقة مسبقة من السلطات المختصة. وقد دفعت هذه السياسات العديد من الأنظمة إلى توظيف أدواتها المختلفة للحفاظ على مركزية السلطة وشمولية النظام، من خلال التضييق على المبادرات الساعية إلى بناء مجتمع مدني حقيقي ومستقل.
وأدى ذلك إلى حرمان المجتمعات العربية من قاعدة الارتكاز الضرورية لبناء مؤسسات مدنية حديثة تقوم على أسس قانونية وسياسية عقلانية، وعلى شراكة حقيقية بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
إن الديمقراطية لا تُبنى بصورة فجائية، بل تحتاج إلى مسار تدريجي طويل قائم على التوعية والتثقيف والتدريب المجتمعي. ولعل التجربة الهندية تقدم نموذجًا بارزًا في هذا المجال؛ إذ استغرق ترسيخ الديمقراطية فيها عقودًا طويلة، بدأت خلال فترة الاستعمار البريطاني قبل نيل الاستقلال، وأسهمت فيها نخبة من المثقفين والقادة الهنود، من أمثال المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو ومحمد علي جناح، الذين لعبوا دورًا مهمًا في دعم التوجه الديمقراطي وقيادة عملية التحول السياسي.
وما تنعم به الهند اليوم من تعددية سياسية ومشاركة مجتمعية ضمن نظام ديمقراطي ليبرالي، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من العمل الديمقراطي والتدرج في بناء المؤسسات. ولولا هذا المسار، لربما واجهت شبه القارة الهندية صراعات دامية بسبب تنوعها الديني واللغوي والعرقي الكبير.


