سهيل حامد المرهون
أصبحنا نعيش زمنًا كثرت فيه التفاهات، وضعف فيه عمق الطرح، حتى صار التافه أحيانًا هو من يقود المشهد، ويوجه الناس، وينشر ما يحب، فيتبعه الكثير دون تفكير أو تمحيص. كما يقول آلان دونو في كتاب نظام التفاهة:
“حيث حسم التافهون المعركة لصالحهم في هذه الأيام، لقد تغير الزمن؛ زمن الحق والقيم، ذلك أن التافهين أمسكوا بكل شيء، بكل تفاهتهم وفسادهم؛ فعند غياب القيم والمبادئ الراقية، يطفو الفساد المبرمج ذوقًا وأخلاقًا وقيمًا، إنه زمن الصعاليك الهابط”.
ليس مطلوبًا من كافة الناس أن يكونوا متخصصين، ولكن على الأقل أن يكون الشخص سويَّ الفطرة، متزن الفكر، لا ينجرف خلف كل موجة جديدة أو كل فكرة يتم تسويقها على أنها الحقيقة المطلقة.
كما حدث في قصة نظام الطيبات الذي شغل الدنيا، وأقضَّ مضاجع العديدين مؤخرًا، فتحول من مجرد نظام غذائي له ما له وعليه ما عليه، إلى قضية فكرية وصحية، وانقسم الناس بين معارض ومدافع، وبات كل طرف يتطرق للموضوع من منطلق أنه يملك الحقيقة المطلقة التي يجب أن يسلِّم بصحتها الجميع.
بينما المسلم عنده أصل واضح وبسيط لا يحتاج إلى كل هذا التعقيد؛ فالطيبات هي كل ما أحله الله سبحانه وتعالى، والممنوع هو كل ما حرمه الله عز وجل. المشكلة ليست في البحث عن الصحة أو تحسين نمط الحياة، فهذه أمور مطلوبة، لكن المشكلة حين تتحول نعم الخالق إلى مادة للتخويف أو السخرية أو التحقير، حتى أصبح البعض يتحدث عن بعض الأطعمة وكأنها أصل كل مرض، مع أن النصوص الشرعية جاءت بذكر فضل بعضها والثناء عليها.
كما وضع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ميزانًا عظيمًا في التعامل مع الطعام، ففي الحديث الصحيح: “ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه”. وهذا الحديث لا يعلمنا فقط الأدب، بل يعلمنا كذلك الاتزان وتقدير ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على خلقه، فلا يسخر الإنسان من شيء أحله الله.
واليوم نرى من يهاجم الحليب واللبن، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن”، وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أكل لحم الطير، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجًا”. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأكل شيئًا خبيثًا أو مخالفًا للفطرة، بل إن أفعاله تشريع عملي وهدي متزن للبشر.
لكن في المقابل، الإسلام أيضًا دين اعتدال، فلا إفراط ولا تفريط، وليس معنى أن الشيء مباح أن يفرط الإنسان فيه بلا وعي أو بلا مراعاة لاختلاف الأجساد والحالات الصحية، فالاعتدال يبقى هو الأصل الصحيح.
ومن الأمور التي يجب فهمها أيضًا أن التشابه بين ما في الدنيا وما في الجنة هو تشابه في الأسماء فقط، أما الحقيقة والجوهر واللذة فمختلفة تمامًا. وقد جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله: “ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء”. فعندما يذكر الله سبحانه وتعالى اللبن أو العسل أو الفاكهة في الجنة، فهذا لا يعني أنها مطابقة لما نعرفه في الدنيا، بل هي نعيم أعظم لا يمكن للعقل البشري تصور حقيقته الكاملة.
ومن الأخطاء المنتشرة كذلك أن البعض يخلط بين الاستفادة من العلم وبين العبث بالطبيعة، بينما الإنسان منذ آلاف السنين يتدخل في الزراعة، ويحسن المحاصيل، ويهجن النباتات، وهذا جزء من عمارة الأرض التي أمر الله عز وجل بها.
ولو كان التهجين أو التعديل مخالفًا لطبيعة النبات الحيوية لما استطاع أن ينمو وينتج، ونجاح النبات واستمراره دليل على أن هناك قابلية أودعها الله فيه، والعلم هنا لا يخلق من العدم، بل يكتشف قوانين الخالق التي أودعها الكون.
ولهذا يجب التفريق بين التهجين التقليدي المعروف منذ القدم، كتطوير أنواع أفضل من النخيل والحبوب، وبين التعديل الوراثي الحديث الذي يهدف أحيانًا إلى حماية النبات من الجفاف والحشرات، وتقليل استخدام المبيدات الكيميائية الضارة. ولولا هذا التطور الزراعي لتحولت مساحات واسعة من الأراضي إلى أراضٍ قاحلة، خصوصًا مع التغير المناخي وندرة المياه.
لكن مع ذلك، ليس كل ما يُطرح باسم العلم يُقبل بلا نقاش، فهناك مصالح اقتصادية ضخمة، وشركات واستثمارات تقف خلف كثير من الأنظمة الغذائية وموضات “الترندات” الصحية، وهناك من يصنع الرأي العام ويوجه الناس لتحقيق مكاسب تجارية أو لإسقاط منتجات منافسة، ولهذا يجب على الإنسان الواعي أن يفرق بين العلم الحقيقي وبين الدعاية التجارية.
ومن الموضات الصحية التي انتشرت مؤخرًا الصيام المتقطع، ومحاولة تقليد نمط حياة الإنسان القديم، والفكرة هنا ليست أن الصيام بلا فائدة، ولكن الإنسان الحديث يحاول أحيانًا تقليد الشكل وينسى البيئة النفسية والعصبية التي كانت تصنع النتائج قديمًا.
فالإنسان في العصور القديمة كان يعيش حالة عدم يقين مستمرة بشأن حصوله على الطعام، وهذا ما كان يجعل جسمه في حالة استنفار بيولوجي كامل، أما اليوم فالإنسان يضبط منبهًا ويحدد ساعة الأكل بدقة، والدماغ مع التكرار يبدأ في توقع موعد الطعام، فتبدأ المعدة بإفراز الأحماض والإنزيمات استعدادًا للهضم، وهذا يوضح أن الإنسان ليس مجرد آلة سعرات، بل كائن يتأثر بالعقل والنفس والعادة والبيئة والتوقع.
وفي النهاية، القضية ليست حربًا على الطعام، ولا تقديسًا لنظام غذائي معين، ولا رفضًا للعلم، بل المطلوب هو العودة إلى الفطرة والاتزان؛ فالإنسان لا يرفض كل جديد، ولا يصدق كل جديد، بل يزن الأمور بعقل ووعي، ويجعل ميزانه الأول هدي الشرع والفطرة السليمة والاعتدال، بعيدًا عن التهويل والانبهار وتحويل الطعام إلى عقيدة جديدة أو معركة فكرية.


