حصان طروادة الاستثماري.. بين التنمية والحذر الاستراتيجي

نشرت :

راي اليوم


صحيفة اليوم العمانية

في عصر العولمة الاقتصادية أصبح الاستثمار الأجنبي بوابة رئيسية للتنمية والتقدم، لكنه قد يتحول في بعض الحالات إلى حصان طروادة يخفي خلفه أجندات سياسية وأمنية خفية. هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في منطقتنا الخليجية، حيث تتدفق رؤوس الأموال من دول شقيقة وجارة، وقد تكون بعضها تحمل نوايا تتجاوز الربح الاقتصادي إلى التأثير السياسي أو الاختراق الناعم.
لا شك أن الاستثمارات الأجنبية ساهمت في بناء بنى تحتية ضخمة، وتنويع الاقتصادات، وخلق فرص عمل في دول الخليج. إلا أن التاريخ يعلّمنا أن بعض الدول تستخدم الاقتصاد كأداة للهيمنة، سواء عبر شراء أصول استراتيجية (موانئ، أراضٍ، شركات طاقة، أو إعلام)، أو من خلال دعم شبكات نفوذ داخلية، أو حتى استغلال الاستثمار لجمع معلومات أو التأثير على القرارات السيادية. وللأسف، قد تأتي هذه المخاطر من دول “شقيقة” أو جارة ترفع شعارات التعاون بينما تخطط لأجندات تخريبية أو توسعية.

مخاطر “الحصان الطروادي”
ان السيطرة على المواقع الحيوية مثل استثمارات في الموانئ أو المناطق الاقتصادية قد تمنح سيطرة غير مباشرة على خطوط التجارة والأمن البحري. كما ان التأثير السياسي والإعلامي و تمويل جمعيات أو وسائل إعلام أو شخصيات نافذة لصناعة رأي عام موالٍ لأجندة معينة.
الاختراق الاقتصادي و الاستحواذ على شركات حساسة يتيح نقل تكنولوجيا أو بيانات، أو حتى إضعاف الاقتصاد المحلي في أوقات الأزمات كما ان الديون أو الشراكات غير المتوازنة التي تحول الدولة المضيفة إلى أداة في صراعات إقليمية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
عُمان بسياستها الحكيمة “صديقة للجميع وهذا مبدا ثابت و تمتلك تجربة ناضجة في التوفيق بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على السيادة ومع ذلك، يجب أن يكون دورنا الوطني واضحاً في تعزيز الرقابة الأمنية على الاستثمارات و إنشاء لجان وطنية لفحص الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة (الطاقة، الاتصالات، الموانئ، الزراعة، والأمن الغذائي) من منظور الأمن القومي. وتنويع مصادر الاستثمار وعدم الاعتماد على مصدر واحد أو دول معينة، وفتح الباب أمام شركاء موثوقين من آسيا و افريقيا وأوروبا والولايات المتحدة. كذلك بناء القدرات الوطنية وخاصة الاستثمار في الكفاءات العمانية حتى لا يصبح الاقتصاد رهينة للخبراء الأجانب وخلق الوعي المجتمعي و تعزيز الثقافة الوطنية والحذر من “الاختراق الناعم” عبر وسائل التواصل والجمعيات.
الاستثمار بحد ذاته ليس شراً، بل هو أداة مزدوجة الحد الفرق يكمن في الشروط والضوابط و يجب أن يكون شعارنا: “استثمار نعم.. ولكن بسيادة كاملة وحذر استراتيجي دائم”. إن أمننا الاقتصادي جزء لا يتجزأ من أمننا الوطني. على الحكومة والمؤسسات والمواطنين مسؤولية مشتركة في الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وعدم السماح لأي “حصان طروادي” مهما كان مصدره بالدخول إلى قلعة عمان الحصينة. النجاح في التوازن بين الانفتاح والحماية مهم فالدولة التي لا تحمي سيادتها اقتصادياً لا تستطيع حمايتها سياسياً وأمنياً.

حفظ الله عمان ارض وشعبا وسلطان والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل شر …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img