سياج الوعي: كيف نحمي مجتمعنا من فتن المشاهير؟

نشرت :

محمد بن زاهر العبري 

نعيش اليوم في زمن انفتحت فيه أبواب الفتن الرقمية على مصراعيها، وباتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة لبث قيم غريبة ومظاهر انحطاط تتسلل إلى بيوتنا دون استئذان. إن الخطر الحقيقي الذي يواجه مجتمعنا اليوم—بسبب محتوى بعض المشاهير والمشهورات—لا يقف عند حدود التفاهة، بل يتعداه ليكون هجوماً ممنهجاً على الوعي، والأخلاق، وكرامة الإنسان. في ظل هذا التدفق الملوث، لم يعد الصمت خياراً؛ بل أصبحت “المقاومة الفكرية” والتحصين الأخلاقي ضرورة حتمية لحماية الهوية المجتمعية من الانجراف خلف بريق زائف يقود نحو القاع.
عندما نتأمل في محتوى هؤلاء المشاهير، رجلاً كانوا أو نساءً، نجد سباقاً محموماً نحو “التريند” وزيادة المشاهدات على حساب أثمن ما يملكه المجتمع؛ قيم العفة والرصانة. وتتجلى هذه الفتنة في أوضح صورها عندما نرى مشاهير يتعمدون إبراز واستعراض الفتيات اللواتي يظهرن معهم بملابس غير محتشمة وضيقة تبرز ملامح الجسد، وبشعور مكشوفة وزينة مبالغ فيها، حيث تُستغل الفتاة هنا—سواء برضاها أو برغبة المشهور—كأداة بصرية لجلب التفاعل واصطياد المتابعين. إن هذا التسليع المبتذل، ونشر مظاهر التبرج والمتفصخ تحت مسميات “الموضة” أو “العفوية”، هو تعدٍّ صارخ يسعى لتمييع الثوابت، وهدم الحياء، وتقديم نماذج مشوهة تخلو من أي نضج أو وقار.
وتكمن خطورة هؤلاء المشاهير في مدى تأثيرهم العميق والمدمر على المراهقين والشباب، الذين يمثلون الفئة الأكثر تأثراً بالصورة. بمرور الوقت، يبدأ هذا السم الدسيس بفعل أثره؛ فحين يعتاد الشاب أو الفتاة على رؤية هذه المشاهد الفاضحة للملابس الضيقة وغير الساترة، يتحول هذا السلوك المستهجن إلى أمر عادي ومألوف داخل البيوت، وينطفئ حياء العيون بفعل التكرار. هكذا يهتز مفهوم القدوة الحقيقية في عقول الجيل الناشئ ليحل محله “المشهور الفارغ” الذي يربط النجاح بالابتذال والمظاهر الخادعة والجرأة على القيم، بدلاً من العلم والعمل الجاد، مما يهدد بتفكيك الروابط الأسرية وإضعاف الحصانة الأخلاقية للمجتمع ككل.
إن مواجهة هذا الانحدار لا تكون بالوقوف في موقف المتفرج، بل بالمقاومة الواعية والرفض القاطع لكل ما يخدش حياء المجتمع وقيمه. الفتنة تضعف عندما تجد أمامها وعياً صلباً، والمحتوى الهابط يسقط ويموت افتراضياً عندما يُجابه بالتجاهل والترفع ويُحرم من المشاهدة والإعجاب. لنكن نحن السد المنيع وحائط الصد الأول لحماية عقول أبنائنا وبناتنا، ولنغرس في الجيل الناشئ أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في مبادئه وثباته، لا في عدد المتابعين. إن مجتمعنا سيبقى—بعزم أبنائه ووعيهم—عصياً على التشويه، ومقاوماً لكل فتن العصر الرقمي، لأن جيلنا القادم يستحق قدوات تصعد به نحو القمم، لا مشاهير يجرونه نحو القاع.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img