خاص صحيفة اليوم العُمانية – عادل بن رمضان مستهيل
يُصادف الثالث والعشرون من مايو 2026 مرور مائة عام على صدور الدستور اللبناني، الذي شكّل منذ إقراره عام 1926 الركيزة الأساسية للنظام السياسي في لبنان، والمرجع الأعلى لتنظيم السلطات الدستورية والحياة العامة في البلاد، في واحدة من أبرز المحطات التاريخية التي أرست مفهوم الدولة الحديثة في الجمهورية اللبنانية.
ويعود تاريخ إقرار الدستور إلى مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان، حيث صادق المجلس التمثيلي اللبناني آنذاك على ما عُرف باسم “القانون الأساسي للجمهورية اللبنانية”، قبل أن يُصدره المفوض السامي الفرنسي رسمياً في 23 مايو 1926، إيذاناً بإعلان قيام “الجمهورية اللبنانية” واعتماد النظام الجمهوري البرلماني إطاراً للحكم والإدارة السياسية.
ومثّل الدستور اللبناني آنذاك تحولاً سياسياً ودستورياً مفصلياً في تاريخ البلاد، إذ وضع الأسس القانونية لبناء مؤسسات الدولة، وحدد صلاحيات السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما كرس مبدأ الفصل بين السلطات والحريات العامة، في ظل تركيبة اجتماعية وسياسية متعددة الطوائف والانتماءات.
محطات دستورية مفصلية
وعلى امتداد قرن كامل، شهد الدستور اللبناني العديد من التعديلات والتحولات التي ارتبطت بالتغيرات السياسية الداخلية والتطورات الإقليمية التي مرت بها البلاد. وكان من أبرز هذه المحطات “الميثاق الوطني” غير المكتوب عام 1943، الذي أسّس لتوزيع السلطة بين المكونات الطائفية الرئيسية عقب الاستقلال عن فرنسا، حيث جرى تكريس العرف القائم على أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الوزراء سنياً، ورئيس مجلس النواب شيعياً.
كما شكّل “اتفاق الطائف” عام 1989 نقطة تحول دستورية كبرى في تاريخ لبنان الحديث، بعد سنوات الحرب الأهلية التي استمرت منذ عام 1975 وحتى 1990. وأفضى الاتفاق، الذي رعته المملكة العربية السعودية وأقره النواب اللبنانيون في مدينة الطائف، إلى إدخال تعديلات جوهرية على الدستور اللبناني، شملت إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، وتعزيز دور مجلس الوزراء مجتمعاً، وتحقيق توازن أوسع في التمثيل السياسي والإداري بين المسلمين والمسيحيين.
ومنذ ذلك الحين، بقي الدستور اللبناني المرجعية الدستورية العليا التي تنظم الحياة السياسية، رغم ما واجهته البلاد من أزمات دستورية وفراغات رئاسية وتعثر في تشكيل الحكومات، إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على المشهد اللبناني خلال العقود الأخيرة.
رؤساء الجمهورية منذ تأسيس الدستور
وتعاقب على رئاسة الجمهورية اللبنانية منذ إقرار الدستور عام 1926 عدد من الرؤساء الذين ارتبطت عهودهم بمحطات مفصلية في تاريخ البلاد، وهم:
- شارل دباس (1926 – 1934)
- حبيب باشا السعد (1934 – 1936)
- إميل إده (1936 – 1941)
- ألفريد نقاش (1941 – 1943)
- بشارة الخوري (1943 – 1952)
- كميل شمعون (1952 – 1958)
- فؤاد شهاب (1958 – 1964)
- شارل حلو (1964 – 1970)
- سليمان فرنجية (1970 – 1976)
- إلياس سركيس (1976 – 1982)
- أمين الجميل (1982 – 1988)
- رينيه معوض (1989)
- إلياس الهراوي (1989 – 1998)
- إميل لحود (1998 – 2007)
- ميشال سليمان (2008 – 2014)
- ميشال عون (2016 – 2022)
- جوزيف عون (منذ 2025)
كما شهد لبنان خلال بعض الفترات الانتقالية تولي حكومات عسكرية أو انتقالية صلاحيات رئاسة الجمهورية في ظل الفراغ الدستوري، خاصة خلال سنوات الحرب الأهلية والأزمات السياسية المتعاقبة.
وثيقة تصمد أمام التحولات
ويرى مراقبون ومختصون في الشأن الدستوري اللبناني أن بقاء الدستور اللبناني نافذاً طوال قرن كامل، رغم ما شهدته البلاد من حروب وأزمات وانقسامات سياسية، يعكس قدرة النظام الدستوري على التكيّف مع المتغيرات، وإن بقيت الدعوات قائمة لإجراء إصلاحات دستورية وإدارية تعزز مفهوم الدولة المدنية وتواكب تطلعات الأجيال الجديدة.
ومع دخول الدستور اللبناني مئويته الثانية، يبقى هذا النص الدستوري شاهداً على تاريخ سياسي معقد وحافل بالتحولات، ومرجعاً أساسياً يحفظ استمرارية مؤسسات الدولة اللبنانية، وسط آمال بأن تحمل المرحلة المقبلة مزيداً من الاستقرار والإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد.
مراجع ومصادر لبنانية:
presidency.gov.lb
lp.gov.lb
nna-leb.gov.lb
pcm.gov.lb
ul.edu.lb

صحيفة انديبنت عربية


