أنسنة البيوت

نشرت :

ثمنة الجندل

في الحقيقة، البيت لا يفرح ولا يحزن مثلما يفعل البشر، لكنه في وجداننا يبدو وكأنه يستشعر الفرح والفقد. فالجدران التي شهدت الضحكات، والأبواب التي انتظرت خطوات أصحابها، والمقاعد التي احتضنت جلساتهم، وعبق البخور واللبان الذي عطر أنفاسهم، كل ذلك يتحول مع الزمن إلى ذاكرة صامتة تحفظ الحكايات وترويها.
وعندما نتحدث عن “أنسنة بيوتنا”، فإننا لا نعني الجدران والأثاث، بل نعني أن نجعل بيوتنا عامرة بالمحبة والرحمة، حاضرة في لحظات الفرح كما في أوقات الحزن، فلا تكون مجرد مكان للسكن، بل ملاذ للروح والقلب، وذاكرة نابضة بالدفء والإنسان.
ولا تعني أنسنة البيوت أيضا أن يتوجه الناس إلى إقامة أفراحهم أو استقبال عزاءهم في بيوتهم. فلكل إنسان ظروفه، ولكل أسرة خياراتها. فمنهم من يفضل القاعات والاستراحات، ومنهم من يجد في بيته دفئًا لا يعوضه مكان آخر.
ومنهم من هو عالقا بين البيت والقاعة بسبب الظروف.
ويقول المثل الظفاري: “يا بيتي يا ساترة عوراتي”. فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل ستر وذكريات وأمان وإنسان.
وإذا اختار أحدهم أن يفتح بيته لفرح أو عزاء، فلنكن له عونًا لا فرعونًا، وسندًا لا عبئًا.
للأسف، ينسى بعضنا سبب زيارة هذا البيت، وينشغل بما لا يعنيه. فبدل أن يهنئ أو يواسي، يبدأ بتفقد شقوق الجدران، والتعليق على الأصباغ، وانتقاد الإضاءة، والإشارة إلى الدرج المكسور، أو المطبخ القديم، أو الحمام الذي يحتاج إلى صيانة.
وكأننا جئنا لجنة تقييم هندسي، أو لجنة تحكيم مسابقة “أجمل بيت” لا ضيوفًا تحمل ألسنتهم كلمات طيبة، وتفيض قلوبهم بمشاعر صادقة. فنحن مهمتنا فقط مشاركتهم أفراحهم فى المناسبات السعيدة، ومواساتهم والتخفيف عنهم فى أحزانهم ومصابهم الأليم.
أما جمال الجدران ، وتناسق الأثاث، ولمعان الأرضيات ، وفوحان العطور من السجاد ، والصبغة الرخامية أو العادية فهذه الأمور ليست القضية، وليست الحكاية.
فالحكاية الحقيقية هي الإنسان، وهي البيت الذي فتح بابه للناس رغم الظروف، ربما أصحابه ضاقت بهم الأحوال، أو شغلتهم هموم الحياة عن ترميم جدار أو تغيير مصباح أو إصلاح كرسي.
ثم من منا بلا نقص؟ ومن منا بيته قصر لا يشوبه شيء؟
لذلك دعوا البيوت تتنفس، ودعوا أصحابها يفرحون ويحزنون بسلام. وانظروا إلى القلوب قبل الجدران، وإلى الإنسان قبل الأثاث.
البيوت التى فرحت بقدومنا، فمن حقها أيضًا أن تشهد رحيلنا الأخير، وأن تودع أصحاب الذكريات الذين سكنوها وسكنتهم.
ففي النهاية، نحن لا نذهب إلى البيوت لنفحصها، بل لنقف إلى جانب أصحابها، نشاركهم أفراحهم، ونواسيهم في أحزانهم، ونترك خلفنا أثرًا طيبًا يليق بإنسانيتنا.
فأجمل ما في البيوت أهلها، وليس جدرانها…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img