العَزْوَة والمَخْرَج والعُيود: ذاكرة الأعياد العُمانية وسوق الفرح الجميل

نشرت :

كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي

نظم أهالي منطقة مجيس بولاية صحار ملتقى العيود أو ما يسمى بلغة أهل مجيس المخري طيلة أيام عيد الأضحى المبارك أمتدت الى سبعة أيام تقريبا وقد صاحب الفعالية تغطية إعلامية كبيرة. ونتيجة لذلك تساءل كثير من المتابعين والمحبين عن معنى كلمة مخرج. وقد طلب مني الأخ ماجد المعمري (اللحديري) تأصيل كلمة مخري والكتابة عنه لتبيان معنى الكلمة وأهم الأحداث المصاحبة للفعالية. وقد نظرت في كتاب بلدة مجيس العمانية للكاتب والأديب الأستاذ حسن بن عبدالرحمن الهنيامي وتناقشت معه في معنى هذه الفعالية فقد أسرد في كتابة نبذة مختصرة عن هذه الفعالية، ونظرت في ما قد نشر عن هذه الفعالية والبدائل اللغوية والمسيات البديلة، والتقيت مع بعض الأخوة العارفين في تأصيل هذه الكلمة وبعض كبار السن وقد توصلت إلى هذه النبذة المقتضبة عند تأصيل هذه الكلمة.

في الذاكرة العُمانية الشعبية، لا يأتي العيد مجرد مناسبة دينية تتجدد فيها مشاعر البهجة وصلة الرحم، بل يأتي محمّلًا بطقوس اجتماعية وثقافية صنعتها الأجيال عبر الزمن، حتى أصبحت جزءًا من هوية المكان والإنسان. ومن بين هذه الطقوس ما يُعرف في بعض البيئات العُمانية بـ العَزوة أو المَخرج أو العُيود، وهي تسميات متعددة لظاهرة اجتماعية واحدة تجمع بين السوق الشعبي والاحتفال المجتمعي والفرح الطفولي في صورة فريدة قلّ نظيرها في المجتمعات الأخرى. ولا يمكن النظر إلى العزوة أو المخرج بوصفهما مجرد سوق لبيع الألعاب والحلوى، بل هما مؤسسة اجتماعية شعبية متكاملة تؤدي أدوارًا اقتصادية وتربوية وثقافية تتجاوز بكثير حدود البيع والشراء. فهناك أسواق كثيرة في العالم، لكن القليل منها يحمل هذا القدر من الحميمية والرمزية والانتماء.

تأصيل التسميات ودلالاتها


تبدو كلمة العَزوة ذات صلة وثيقة بالجذر العربي الذي يدل على السند والانتماء والعشيرة. وفي الموروث العربي تُطلق العِزوة على الجماعة التي يستند إليها الإنسان ويفتخر بالانتساب إليها. ومن هذا المعنى يمكن فهم انتقال الكلمة إلى هذه الفعالية الشعبية؛ إذ إنها تمثل اجتماعًا للأسر والأقارب والجيران، حيث يحضر الأطفال محاطين بعائلاتهم ومجتمعهم المحلي، وكأنهم يدخلون عالم التجارة البسيط محمولين بعزوتهم وسندهم الاجتماعي.

أما المَخرج فترتبط دلالته بالفعل خرج، وهو اسم مكان أو زمان للخروج. ويمكن تفسير هذه التسمية من أكثر من زاوية؛ فقد تشير إلى خروج الأطفال من البيوت إلى فضاء الاحتفال، أو خروج البضائع والألعاب والحلوى إلى الساحات العامة، أو خروج المجتمع بأسره من خصوصية المنازل إلى رحابة اللقاء الاجتماعي. ومن الطريف أن الكلمة تحمل معنى رمزيًا آخر؛ فالمخرج كان دائمًا مخرجًا من رتابة الحياة اليومية إلى فضاء الفرح الجماعي.

أما العُيود فهي تسمية تبدو أكثر ارتباطًا بالعيد نفسه، وكأنها صيغة شعبية مشتقة من لفظ العيد للدلالة على المظاهر الاحتفالية المصاحبة له. ومع مرور الزمن أصبحت الكلمة تشير إلى فضاء احتفالي متكامل يجمع السوق والفنون الشعبية والألعاب واللقاءات الاجتماعية.

متى تقام العزوة، والمخرج أو العيود؟


على الرغم من اختلاف التفاصيل بين البيئات العمانية المحلية، فإن العيود يرتبط غالبًا بأيام الأعياد الإسلامية، ولا سيما عيدي الفطر والأضحى. وقد يبدأ في بعض الأماكن منذ اليوم الأول للعيد مباشرة، بينما يمتد في أماكن أخرى إلى ثاني أو ثالث أو حتى رابع أيام العيد.
وتختلف مدة الفعالية بحسب حجم المجتمع المحلي والإمكانات المتاحة، لكنها غالبًا ما تبدأ بعد العصر وتمتد حتى ساعات المساء المتأخرة، حيث تنخفض حرارة النهار ويزداد إقبال العائلات والأطفال. وفي بعض البيئات التقليدية كان المخرج يستمر لساعات محدودة، بينما تحوّل اليوم في بعض المناطق إلى مهرجان مجتمعي يمتد لأيام متتالية.

وقد ذهب بعض كبار السن إلى أن العزوة تقام صباح يوم العيد وترتبط بصلاة العيد فقط وتنتهي بنصراف المصلين إلى بيوتهم. أما المخرج فيكون عصر يوم العيد وقد يمتد من 3 إلى 4 أيام حسب المناطق. وفي بعض المناطق يقترن العيون بأسواق السابع والثامن والتاسع من عيد الأضحى و27-29 من شهر رمضان المبارك. ولكل منطقة خصوصيتها في الإحتفال بهذه الفعالية المباركة.

بين السوق والاحتفال


من الناحية الظاهرية، يبدو العيود سوقًا صغيرًا تُعرض فيه الألعاب والهدايا والحلوى والمنتجات التقليدية، لكن الحقيقة أنه أكثر من ذلك بكثير. إنه مساحة تلتقي فيها التجارة بالفرح، ويلتقي فيها الاقتصاد بالثقافة.
فالطفل الذي يجمع عيديته طوال الصباح يجد في العيود أول تجربة اقتصادية حقيقية في حياته. يتجول بين البسطات، يقارن الأسعار، يفاوض البائع، ويقرر كيف ينفق ما يملك. إنها مدرسة اقتصادية مصغرة تُدار بعفوية وبساطة، لكنها تترك أثرًا عميقًا في شخصية الطفل.
وفي الوقت نفسه، وفي بعض الولايات العمانية تتحول الساحات إلى مسرح حي للفنون الشعبية؛ فتتعالى أهازيج الرزحة والعازي والدندان، وتستعرض الخيول والإبل، وتقام المسابقات والعروض التراثية، فيشعر الزائر أنه لا يحضر سوقًا فحسب، بل يعيش مشهدًا ثقافيًا متكاملًا تختلط فيه الأصوات والألوان والروائح والذكريات.

الأبعاد الاقتصادية


من أبرز وظائف العيود أنه يخلق دورة اقتصادية محلية بسيطة لكنها فعالة. فالعيديات التي يحصل عليها الأطفال تتحول إلى قوة شرائية، وتنتقل الأموال بين الأسر والباعة والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.
كما يتيح العيود فرصًا مهمة للمؤسسات الصغيرة والأسر المنتجة والحرفيين لعرض منتجاتهم، مما يجعله نموذجًا مصغرًا للاقتصاد المجتمعي القائم على المشاركة والتفاعل المباشر.

الأبعاد الاجتماعية


تكمن القيمة الكبرى للعيود في قدرته على جمع الناس. ففي زمن تتزايد فيه العزلة الرقمية، يعيد العيود الناس إلى الساحات المفتوحة واللقاءات المباشرة. يلتقي الأصدقاء القدامى، ويتعارف الأطفال، وتتجدد صلات القربى، ويتحول المكان إلى مساحة حية للحوار والتواصل.
كما يمنح الكبار فرصة لاستعادة ذكريات طفولتهم، فيرون أبناءهم وأحفادهم يعيشون المشاهد ذاتها التي عاشوها قبل عقود، وكأن الزمن يدور دورة كاملة ليعيد إنتاج الفرح بصورة جديدة.

الأبعاد التربوية والثقافية


يؤدي العيود دورًا تربويًا بالغ الأهمية؛ فهو يعلم الأطفال المسؤولية وحسن الاختيار وإدارة المال والاعتماد على النفس. كما يعزز لديهم مهارات التواصل والثقة بالنفس والتفاعل الاجتماعي.
أما ثقافيًا، فإنه يمثل وسيلة حية لنقل التراث من جيل إلى آخر. فالطفل لا يقرأ عن الرزحة في كتاب، بل يشاهدها أمامه. ولا يسمع عن العادات والتقاليد في محاضرة، بل يعيشها واقعًا ملموسًا بين الناس. وهكذا يصبح التراث ممارسة يومية لا مجرد ذاكرة محفوظة.

ختاما: المخري أكثر من سوق… وأعمق من احتفال
لعل أجمل ما في العزوة أو المخرج أو العيود أنها لا تنتمي بالكامل إلى عالم التجارة ولا إلى عالم الترفيه وحده؛ إنها منطقة وسطى يلتقي فيها الاقتصاد بالثقافة، والطفولة بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل.
فهي ليست مجرد مكان يشتري فيه الأطفال ألعابهم، بل مساحة يتعلمون فيها معنى الانتماء والمشاركة والفرح الجماعي. وهي ليست مجرد فعالية موسمية عابرة، بل أحد الشواهد الحية على قدرة المجتمع العُماني على تحويل المناسبات الدينية إلى مناسبات إنسانية وثقافية غنية بالمعاني.
ولهذا يمكن القول إن العيود، بكل مسمياتها المختلفة، تمثل أحد أجمل تجليات العيد العُماني؛ فهي ذاكرة تتجدد كل عام، ومدرسة شعبية مفتوحة، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأطفال حقهم الكامل في أن يكونوا أبطال الفرح الحقيقي في أيام العيد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img