النحات والتشكيلي العُماني علي الجابري: النحتُ حوارٌ يجمع ذاكرة الفنان بـ “زمن المادة”

نشرت :

مسقط : العمانية

تبرز تجربة النحات والتشكيلي العُماني علي بن سليمان الجابري في كونها مغايرة بواقعها ومتخذة مسارًا مُختلفًا يمنح فيه المادّة اتصالًا فنيًّا جديدًا، ليلامس المشاعر الواقعية بتحف فنيّة ملموسة، فمنذ طفولته التي بدأت باللعب بالطين، تشكّلت مفاهيم النحت لتكبر معه لتوجد في السياق ذاته اتجاهًا فنيًّا بعد دراسته الأكاديميّة للتربيّة الفنيّة في مرحلة البكالوريوس إلى جماليّات الفنون ومُمارساتها في مرحلة الدكتوراه، ثم تجارب مُختلفة لعدد من الخامات والتقنيّات النحتيّة، ليستقر به المقام عند محاوراته العفويّة مع الرخام منذ عام 2012، لتبقى لغته الحيّة للتعبير وإبداء الرأي.

ويقول النحات والتشكيلي علي الجابري إن الإنسان يبحث باستمرار عن محامل للتعبير عن مشاعره، ولكي يبلغ مُبتغاه يوّظف مهاراته، فقيمته فيما يُحسنه، ولا يكون الإبداع إلا في قوّة التعبير، ولا يمكن للتعبير أن يظهر إلا من خلال المحامل التي تحتاج إلى مهارة عالية لإظهار التعبير من خلالها، ويتغيّر المُخاطب بلغة الخطاب، فكما يُخاطب الكاتب والشاعر السمع، يُخاطب الرسّام والنحّات البصر.

ويضيف الجابري بقوله: "عندما تعجز الكلمة، يُمكن للصورة أن تكون محملًا للتعبير، وعندما تعجز الصورة قد تكون للكُتلة فعلٌ آخر، وللفراغ أفقٌ أوسع لا يؤطره إطار، والكُتلة في النحت تستضيف فراغًا تارة وتسبح في فراغ تارة أخرى، وبينهما حوار يتجاوز الصّمت، فلا الكُتلة بمعزلٍ عن الفراغ ولا الفراغ مُجرد فضاء يُحيط بالكُتلة، وإنما هما مُتضادان مُتلازمان يظهر أحدهما حُسن الآخر بين قلق الحركة ووقار السكون.

وباختلاف وسائل التعبير تختلف المواد المُستخدمة فيها، وللنحّات –بوجه الخصوص- خاماتٌ وخياراتٌ مُختلفة، ولابد لاختلاف المواد تأثيرًا مُختلفًا لدى صانعها والنتيجة المُصنّعة، وهذا ما وقف عنده الجابري من خلال تجاربه ليشير إلى إنه لا ينظر إلى الخامة في النحت في كونها مادة صمّاء، بل يعدها كيانًا يحمل ذاكرةً وتاريخًا وروحًا خاصّة.

ويوضح أن الحجر الذي يعمل عليه ليس مُجرد كُتلة تشكّلت في الطبيعة، بل هو سجلٌ جيولوجيّ اختزن ملايين السنين من التحوّلات والعوامل الطبيعيّة، والخشب بدوره يحمل في أليافه ذاكرة حياة امتدّت لعقود أو ربما لقرون، لذلك فإن علاقته بالخامة تبدأ بالإنصات إليها قبل الشروع في تشكيلها.

ويصف تجربته النحتيّة بقوله: "أتعامل مع المادة وفق مسارين متوازيين؛ فتارة أبحث عنها عندما أمتلك فكرة مُحددة وأحتاج إلى خامة قادرة على احتوائها والتعبير عنها، فأختار الحجر أو الخشب أو غيرهما وفق ما تقتضيه الفكرة والخطاب البصريّ للعمل، وتارة أخرى أشعر أنّ الخامة هيّ التي تبحث عني، وكأنها تدعوني لاكتشاف ما تختزنه في أعماقها من أشكال وإمكانات كامنة، فأتحوّل من صانع للشكل إلى شريك في الكشف عنه".

ويُؤكد على أنه لا يرى العمليّة النحتيّة في حقيقتها فرضًا لإرادة الفنّان على المادة، ولا استسلامًا كاملاً لشخصية الخامة، بل حوارًا بين ذاكرتين؛ ذاكرة الفنّان بما تحمله من أفكار وتجارب، وذاكرة المادة بما تختزنه من زمنٍ طويل، ومن هذا الحوار يُولد العمل النحتيّ بوصفه حالة من التحرر المُتبادل، يحرر فيها الشكل من قيده، وتحرره الخامة من حدود الرؤية المُسبقة.

ولابد للبيئة الخارجيّة المُحيطة تأثيرٌ على الإنسان، ولو على اختلاف انعكاساتها عليه، يقول النحات والتشكيلي العُماني علي بن سليمان الجابري في هذا الجانب: "من الصّعب على الفنّان أن ينفصل عن بيئته، فهيّ تشكّل ذاكرته البصريّة الأولى ومخزونه الشعوريّ والفكريّ الذي يعود إليه باستمرار، سواء أدرك ذلك أم لم يُدركه".

أما في تجربته النحتيّة واتصالها بالهويّة فيوضح الجابري بقوله: "كانت البيئة العمانية حاضرة منذ البدايات، ليس بوصفها موضوعًا مُباشرًا للعمل، بل بوصفها مصدرًا للرؤية والتأمل، كما في إحدى مراحل تجربتي اشتغلت على مُحاكاة عوامل التعرية في الحجر، وهي تجربة جاءت مُتأثرة بما كنت أشاهده في التكوينات الجيولوجيّة العمانية المُتنوعة، حيث تركت الرياح والمياه والزمن آثارها على الصخور عبر آلاف السنين، كنت أرى في تلك التحوّلات لغة تشكيليّة عميقة، فحاولت ترجمتها إلى أعمال نحتيّة تستلهم فعل الطبيعة لا شكلها فقط".

ويُضيف على ذلك: "كما حضرت البيئة العمانية في سلسلة المزاوجة بين الخشب والرخام، وهي تجربة استلهمتها من مشاهد مُتكررة في المحاجر العمانية، حيث تتجاور الأشجار والصخور في حالة من التعايش والتكامل، وقد سعيت من خلالها إلى ترجمة هذا الحوار بين مادتين تبدوان مُتناقضتين، لكنهما تتشاركان المكان والوجود".

وفي المقابل، تأتي هويّة النحت العُماني عالميًّا، يُبدي الجابري رأيه: "أعتقد أنها ما زالت في طور التشكّل والنضج، لكنها تمتلك مُقومات واضحة للتميّز من خلال ارتباطها بالبيئة المحليّة والانفتاح في الوقت نفسه على التجارب الإنسانيّة المُعاصرة، وعندما يستطيع الفنّان أن ينطلق من خصوصيته المحليّة ليُخاطب أسئلة إنسانيّة أوسع، يُصبح أكثر قدرة على الوصول إلى العالم بلغة تحمل بصمته الخاصّة".

ولأنّ الزمن يمُر بتغيرات مُستمرة، كما نرى في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومدى تأثيراته على جميع مجالات الحياة، فلابد للمجالات الفنيّة البصريّة أن يُصاحبها ذات التأثير، وهنا يوّضح الجابري بقوله: "أعتقد أنّ الفنّان الحقيقيّ لا يُمكن أن يكون بمعزل عن عصره، لأنّ الفنّ في جوهره حوار مُستمر مع الإنسان والزمن، لذلك لا أنظر إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوصفهما تهديدًا للنحت أو للفنون البصريّة، بل أراهما أدوات جديدة تُضاف إلى أدوات الإنسان في التعبير والاكتشاف، فكما استفاد الفنانون عبر التاريخ من تطوّر الأدوات والخامات، من الطبيعي أن نوّظف اليوم التقنيات الرقميّة بما يخدم رؤيتنا الفنيّة".

ويوضح الجابري أنه، في المقابل، يظلّ للنحت خصوصيته المرتبطة بحضوره المادي وعلاقته المباشرة بالفضاء والمتلقي، فعلى الرغم من أن التقنيات الرقمية وشاشات الهواتف تتيح عرض العمل النحتي وتداوله على نطاق واسع، فإنها غالبًا ما تختزله في صورة ثنائية الأبعاد لا تنقل تجربته كاملة. فالصورة، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تعوّض تجربة التفاعل المباشر مع المنحوتة، بما تتضمنه من حركة المشاهد حولها، وتبدّل الظلال على أسطحها، وتغيّر زوايا الرؤية، فضلًا عن علاقتها بالمكان الذي تشغله. ومن ثمّ، تبقى التجربة المكانية والحسية جزءًا أساسيًّا من تلقي العمل النحتي وفهم أبعاده الجمالية والتعبيرية.

وبين الماضي والحاضر، يرى الجابري أنّ مُهمة الفنّان ليست في توثيق الماضي بقدر ما هي بناء جسور بين الماضي والحاضر والمُستقبل، ويقول: "نحن ننطلق من ذاكرتنا وهويتنا، لكننا نبعث برسائلنا إلى المُستقبل، لذلك ينبغي للنحات أن يتحدث بلغة عصره، وأن يستوعب التحوّلات التقنيّة والثقافيّة من حوله، دون أن يفقد جوهر الفنّ القائم على التأمل وإنتاج المعنى، فالأدوات تتغيّر، أما حاجة الإنسان إلى الجمال والتفكير والحُلم فتبقى ثابتة عبر الأزمنة".

وفي إطار تشارك الأفراد في إبداء الرأي والتعبير عن القضايا المُجتمعيّة والعالميّة بشتى الطرق، تأتي طريقة الفنّان المُنفردة باستخدام أساليبه الفنيّة، يرى أنّ الفنّ لا يُغير العالم بصورة مُباشرة، لكنه قادر على تغيير طريقة رؤيتنا له، ومن هُنا تبدأ التحوّلات الحقيقيّة، وعن فنّ النحت بوجه الخصوص.

ويوضح الجابري أن المنحوتة لا تُختزل في كونها كتلة مادية تشغل حيزًا في المكان، بل تمثل خطابًا بصريًّا يحمل فكرةً ويطرح تساؤلات تتجاوز حدود الشكل الظاهر، ومن خلال هذا الخطاب، يتيح العمل الفني للمتلقي فرصةً للتأمل وإعادة النظر في علاقته بذاته وبالعالم المحيط به. وانطلاقًا من هذا الفهم لدور الفن، يرى أن العمل الفني قادر على خدمة القضايا الإنسانية عندما ينجح في توسيع أفق الوعي، وإثارة التفكير النقدي، وتعزيز القيم المشتركة التي تجمع البشر على اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم.

ويذكر النحات والتشكيلي علي الجابري أن في تجربته النحتيّة انشغل كثيرًا بفكرة الترحّل بين الأزمنة والأمكنة، ليس بوصفها انتقالًا جغرافيًّا فحسب، بل بوصفها حوارًا بين المعارف الإنسانيّة عبر العصور، لذلك حضرت في أعماله رموز مُرتبطة بالفكر والعلوم الإسلاميّة مثل المزولة والبوصلة والأسطرلاب، وهي أيقونات يراها تتجاوز وظيفتها التاريخيّة لتصبح رموزًا للمعرفة والاكتشاف والسعي الإنسانيّ لفهم العالم.

كما يصف الجابري المزج بين خامات مُختلفة، وفنون مُختلفة كذلك، قائلًا: "استوقفتني العلاقات الروحيّة بين الحيّ والميّت، وبين الحركة والسكون، وهي أفكار ترجمتها في تجارب مُختلفة، من بينها المزاوجة بين الخشب والرخام، وفي السنوات الأخيرة ازداد اهتمامي بالخط العربيّ الكوفيّ، ليس بوصفه نصًّا مكتوبًا فحسب، بل في كونه بنية تشكيليّة قادرة على التحرر من سطح الكتابة والدخول إلى الفضاء، حيث يتفاعل مع الضوء والظل والمكان والمُتلقي، ويتحوّل من حالة السكون إلى حالة من الحركة المُستمرة".

وبيّن في سياق القول: "من القضايا التي تشغلني أيضًا الفنّ العام ودوره في أنسنة المُدن وتأثيث الفضاءات المفتوحة بالأعمال النحتيّة، لأنني أؤمن بأنّ الفنّ يجب أن يكون قريبًا من الناس ومُتاحًا لهم في تفاصيل حياتهم اليوميّة، كما أرى في مُشاركاتي الدوليّة فرصة لأكون سفيرًا ثقافيًّا لبلدي، ليس بالكلمة وحدها، بل من خلال أثر بصريّ باقٍ في المُدن التي أزورها، ولذلك يظل حُلمي أن أترك منحوتات تحمل روح عُمان ورسالتها الإنسانيّة في مُدن مُختلفة حول العالم، وأن أسهم من خلالها في بناء جسور من الحوار والجمال بين الثقافات والشعوب".

وذكر الجابري أن "مُخيّم النحاتين" الذي تستضيفه منطقة وادي الجزي بمُحافظة شمال الباطنة منصّة فارقة في مسيرة النحّات، فهو بالنسبة لي لم يكن مُجرد فعاليّة فنيّة عابرة، بل مشروعًا ثقافيًّا طويل المدى انطلق من إيمان عميق بأهمية بناء بيئة حاضنة للنحت في سلطنة عُمان، ووضع مدينة صحار وسلطنة عُمان على خارطة الثقافة والفنون البصريّة إقليميًّا ودوليًّا.

كما استطاعت دورات المخيم في استقطاب فنانين محليين ودوليين في فضاء واحد، حيث تكمُن أهميّة المُخيّم في أنّه يجمع في فضاء واحد نحاتين من ثقافات وتجارب مُختلفة، فيتحوّل العمل على الحجر إلى لغة عالميّة للحوار والتبادل المعرفيّ، فالفنّان العُماني لا يكتسب من هذه التجارب مهارات تقنيّة فحسب، بل يطلع على رؤى وأساليب مُتنوعة في التفكير والتعامل مع الفنّ والمادة والفضاء العام.

ويضيف بقوله: "في المقابل، لم يقتصر أثر المُخيم على استضافة نحاتين من مُختلف دول العالم، بل أسهم أيضًا في إفراز جيل من النحاتين العُمانيين الذين وجدوا فيه مساحة للتعلّم والتجريب والتطوّر، وأعتقد أننا اليوم نشهد ملامح تشكّل مُجتمع نحتيّ حقيقيّ في سلطنة عُمان، مُجتمع يقوم على تبادل الخبرات والتعاون والإنتاج المُستمر".

ويرى الجابري أنّ الأثر الأهم لهذا المشروع لا يُقاس بعدد الدورات أو المُشاركين، بل بقدرته على الإسهام في بناء مُستقبل مُختلف للفنّ التشكيليّ في سلطنة عُمان، وترسيخ ريادة نحتيّة وطنيّة قادرة على الحضور والمُنافسة وإنتاج خطاب بصريّ يُعبر عن المكان وينفتح على العالم في الوقت نفسه.

وعلى صعيد الاهتمام بالفنون في الوسط العام، ومدى مُستوى الوعي المُجتمعيّ بأهميّة الفنّ التشكيليّ، يقول النحات علي بن سليمان الجابري: "أعتقد أنّ الوعي بالفنّ التشكيليّ في سلطنة عُمان يشهد تطورًا ملحوظًا، لكن الطريق ما زال مفتوحًا لمزيد من الحضور والتفاعل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالفنّ العام والأعمال التي تُغادر قاعات العرض لتعيش في الفضاءات المفتوحة، فليس من السهل أن يخرج الفنّ إلى الشارع ويقترب من عامّة الناس، لأن ذلك يتطلّب قدرًا من الجرأة والمُغامرة من الفنّان والمؤسسات الثقافيّة على حد سواء، وبالرغم من ذلك، فإنني أراهن دائمًا على وعي العُماني وقدرته على التفاعل مع الجمال واكتشاف المعنى، وليس على النخب الثقافيّة وحدها، فمن خلال تجربتي في إقامة الأعمال النحتيّة في الفضاءات العامّة، وجدت أنّ المُتلقي العُماني يمتلك فضولًا حقيقيًّا للتأمل وطرح الأسئلة والتفاعل مع المُنجز الفنيّ متى ما أتيحت له الفرصة للوصول إليه".

كما يرى الجابري أنّ تعزيز الوعي بالفنّ لا يتحقق عبر الحديث عنه فقط، بل عبر حضوره في الحياة اليوميّة للناس، فعندما تصبح المنحوتات والأعمال الفنيّة جزءًا من المشهد الحضريّ، فإنها تسهم في بناء خطاب بصريّ يُثري المكان ويمنحه هويّة أكثر حيويّة وعمقًا".

ويُضيف: "ومن هنا أؤمن أنّ الاستثمار في الفنّ العام ليس ترفًا ثقافيًّا، بل جزء من بناء الإنسان والمكان معًا، وخطوة مُهمة نحو فضاءات أكثر جمالًا وانفتاحًا وقدرة على التعبير عن روح عُمان المُعاصرة".

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img