جريمة في بوردو
الفصل الثالث
في ضيافة الكولونيل
مسقط
جلس العميد حمد يتابع الأخبار على القنوات الفضائية، ثم قال في نفسه:
— يجب أن أحصل على إجازة حقيقية هذه المرة… ولكن أين سأقضيها؟
وأخذ يقلب بين القنوات وهو يتمتم:
— أخشى أن يُقدم أحد الأشقياء على فعلٍ جنوني، فنُستدعى من جديد للعمل.
ثم ضحك قائلاً:
— يعني سيفسد علينا الشقي الإجازة التي انتظرناها طويلاً!
وفجأة أضاء هاتفه معلناً وصول رسالة عبر تطبيق «واتساب». أمسك الهاتف وبدأ يقرأ بصوت مرتفع:
Cher colonel,
J’espère que vous êtes en bonne santé. Je vous invite, ainsi que votre honorable famille, à passer quelques jours avec nous à Bordeaux. C’est une ville magnifique, et je serais très heureux que vous acceptiez mon invitation, cher colonel.
Rino
ثم ترجمها قائلاً:
— عزيزي الكولونيل، أتمنى أن تكون بصحة جيدة. أدعوك أنت وعائلتك الكريمة لقضاء بعض الوقت معنا في مدينة بوردو الساحرة. إنها مدينة رائعة، وسيكون من دواعي سروري أن تلبي دعوتي.
صديقك
الكولونيل رينو.
وقبل أن ينتهي من قراءة الرسالة، حضرت زوجته قائلة:
— ماذا تقرأ؟ لقد سمعت كلمة «بوردو»… هل سنسافر إلى فرنسا؟
نظر إليها العميد باستغراب، ولم يجبها في بادئ الأمر. وبعد إلحاح منها قال:
— صديقي الكولونيل رينو يدعوني إلى زيارة مدينة بوردو، ويقول إن المدينة جميلة جداً في هذا الفصل من السنة.
ثم اتجه إلى طاولة الطعام وبدأ يتناول غداءه، لكن زوجته لم تمهله، فقالت وهي تقدم له الطبق:
— يعني سنذهب إلى فرنسا؟ يا له من خبر رائع!
رفع العميد رأسه وقال مبتسماً:
— الدعوة موجهة إليّ أنا فقط، ولم يذكر في رسالته أن أصطحب زوجتي معي.
ثم سكت قليلاً وأضاف:
— ولكنني أعدك بأن أبقى في الفندق طوال الرحلة، ولن أذهب إلى أي مكان آخر.
اختفت الفرحة من وجه أم هزاع، وقالت بنبرة امتزج فيها الاستياء بالمزاح:
— ماذا تعني؟! لن أذهب معك؟
أجابها العميد بجدية مصطنعة:
— نعم، لن تذهبي معي، وأقسم لك أنني لن أغادر الفندق إلا للعودة إلى عُمان.
فكرت قليلاً ثم قالت:
— تريدني أن أصدق هذا الكلام؟
ثم انفجرت ضاحكة وأضافت:
— تذكرت مثلاً مصرياً كنت أحفظه منذ الصغر.
التفت إليها العميد قائلاً:
— وما هو هذا المثل؟
قالت:
— قالوا للحرامي: احلف. فقال: جاءك الفرج!
عندها انفجر العميد ضاحكاً حتى كاد يختنق من الضحك، وقال:
— حسناً… لن أحلف!
ثم أردف:
— هيا استعدي للسفر إلى بوردو.
التفتت إليه بسرعة وقالت:
— حقاً؟ هل هناك مفاجأة أخرى؟
قال العميد:
— سأدعو النقيب منى لترافقنا، فهي تستحق مكافأة بعد الجهد الكبير الذي بذلته في حل قضية مقتل المصرفي عبدالعزيز في قضية «جريمة على شاطئ العشاق».
وهذه القصة سيجدها القارئ الكريم في الإصدار الأول للمؤلف بعنوان: «جريمة على شاطئ العشاق».
ارتسمت فرحة كبيرة على وجه أم هزاع وقالت:
— ما أجمل السماء الليلة!
نظر إليها العميد متعجباً وقال ضاحكاً:
— وما علاقة السماء بما أقوله؟ ثم إننا ما زلنا في الظهيرة، ولم يأتِ الليل بعد!
ضحكت وقالت:
— إنها جملة سمعتها في مسلسل تركي. كانت البطلة كلما فرحت تقول: «ما أجمل السماء الليلة!»
ثم أضافت:
— إنه مسلسل جميل، وأظن أنه سيعجبك.
فأجابها العميد:
— ألا تكفينا المسلسلات التي نعيشها يومياً مع المجرمين؟
ثم تابع قائلاً:
— المهم، اتصلي بمنى وأخبريها أن تستعد للسفر إلى فرنسا. سيكون أجمل لو جاءتها الدعوة منك أنت.
قالت أم هزاع بحماس:
— بالتأكيد، فمنى حبيبة قلبي. ستكون رحلة رائعة، وسنقضي الإجازة في التسوق.
ثم أخذت تعدد خططها:
— سنذهب إلى متجر «Rainbow» الذي تحبه كثيراً، فأنت لا تفوت فرصة التسوق منه كلما زرنا فرنسا.
وأكملت مبتسمة:
— أما أنا وحبيبتي منى فسنذهب إلى صالون «Beauté D’Alma» للتجميل.
ثم حملت الأطباق الفارغة وقالت بلهجة فرنسية متباهية:
— Eh oui, c’est Bordeaux !
(نعم… إنها بوردو الجميلة!)
ثم انفجرت ضاحكة وأضافت:
— هؤلاء الأصدقاء يدعونك فعلاً إلى فرنسا، لا إلى سوق مطرح! والأسوأ من ذلك أن مصاريف الرحلة كلها عليك!
فضحك العميد وهو يهز رأسه مستسلماً، بينما كانت أم هزاع قد بدأت بالفعل تخطط لرحلتها القادمة إلى بوردو.
يتبع…
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
مفردات:
سوق مطرح: من أقدم الأسواق الشعبية في مدينة مسقط بسلطنة عُمان.


