د. رفعية الحجري
تعود فصول السنة في دورة بديعة لا يختلّ نظامها، ويعود من بينها فصل الخريف كما عهدناه، يحمل في كفّيه رذاذ المطر على أجنحة الغيم، وينثر في الأرجاء نسمات هواء باردة تلامس الروح قبل الجسد، ورائحة الأرض التي تزداد عبقًا فواحًا كلما عانقتها قطرات السماء، فتبدأ الطبيعة ترتدي ثوبها الباهي احتفاءً بموسم الجمال. وكأن الزمن يصرّ على أن يمنح الحياة فرصة جديدة في كل دورة من دوراته، ولكن ثمة حقيقة لا تتغير مهما تعاقبت المواسم والفصول؛ أن الذين رحلوا لا يعودون.
فمع زخات المطر لا تستيقظ الطبيعة وحدها، بل تستيقظ معها ذكريات أناسٍ كانوا يومًا جزءًا من تفاصيل حياتنا، عاشوا أفراحنا وأحزاننا، وملأوا أيامنا حضورًا ودفئًا ومحبة، ثم مضوا بهدوء، تاركين خلفهم فراغًا لا يُسد.
ففصل الخريف بالنسبة لنا ليس مجرد فصل عابر من فصول السنة، بل هو موسم للحنين والذكريات؛ ففي صوته الهادئ، ومطره المنهمر، وسكون أمسياته، ما يوقظ الشوق إلى تلك الوجوه الغائبة. نتذكر من كانوا يجلسون معنا، ومن كانوا يشاركوننا أحاديثنا، ومن كانت الحياة جميلة بوجودهم. نبحث عنهم في زوايا الذاكرة، وفي الصور القديمة، وفي الأماكن التي احتضنت لحظاتنا معهم، فلا نجد إلا أثر أرواحهم الجميلة التي تركوها في قلوبنا.
فإن الموت لا يأخذ أحبتنا من حياتنا فحسب، بل يأخذ معهم تفاصيل كاملة لا تتكرر؛ يأخذ أصواتًا ألفناها، وابتسامات اعتدنا رؤيتها، وأيامًا كانت أكثر دفئًا بحضور أصحابها. ولذلك لا يكون الألم في الغياب وحده، بل في إدراك أن تلك اللحظات الجميلة أصبحت جزءًا من الماضي، ولم يبقَ منها إلا الذكرى والشوق والحنين.
ومع ذلك، فإن من رحلوا لم يغيبوا عنا، فهم يعيشون في أثرهم الطيب، وقيمهم التي غرسوها فينا، والمحبة التي تركوها في قلوبنا. يعيشون في دعوة صادقة تخرج من قلب مشتاق، وفي دمعة وفاء تترقرق كلما مرّ طيفهم في الخاطر، وفي ذكرى جميلة تبتسم لها الأرواح رغم وجع الفقد. وحينها ندرك أن بعض الغياب لا تعتاده القلوب مهما طال الزمن، وأن الأسماء المحفورة في الذاكرة لا تمحوها الأيام.
وعاد الخريف بكل صوره الجميلة، وعادت معه الذكريات المؤلمة للذين غابوا، ولم يبقَ إلا أثرهم الجميل في القلوب، وحنين لا يشيخ، ودعاء لا ينقطع بأن يرحمهم الله، ويجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعنا بهم في دار نعيم لا فراق فيها ولا وداع.


