جريمة في بوردو
بقلم: فايل المطاعني
الفصل السابع
الغيرة
وقفت ليلي تنظر إلى السيدة سارة، وقد بدت الأخيرة شاردة الذهن، تعلو ملامحها مسحة من الحزن، فيما كان عقلها بعيدًا عمّا يدور حولها.
لم تستطع ليلي متابعة الحديث الذي دار بين الكولونيل رينو والسيدة سارة داخل الفيلا المسماة “حدائق سارة”، وهو ما لم يغب عن ملاحظة رينو نفسه.
وبمجرد أن غادرا المكان، بادرها بالسؤال.
قال الكولونيل رينو: – ليلي… ما بك؟ لستِ في مزاج جيد اليوم.
حاولت ليلي إخفاء اضطرابها، لكن الأمر كان أصعب أمام رجلٍ خبر طبائع النساء، فكيف بامرأة تعمل معه يوميًا.
سألها بهدوء: – هل هو مصطفى؟
أومأت ليلي برأسها إيجابًا.
ابتسم رينو ابتسامة خفيفة وقال: – بحق السماء، ماذا فعل بكِ حتى تبدين وكأنكِ في الستين من عمرك؟ هل عدتما إلى الشجار؟
مسحت ليلي دمعة خانتها، فقال مازحًا: – لا عليك، لن أزجه في السجن… لكنني أيضًا لن أتعامل معه برفق.
ثم أوقف السيارة على جانب الطريق، وقال بصوت أخفض: – ليلي، أريد أن أقول لك شيئًا…
رفعت عينيها نحوه، وقد امتلأتا بالدموع.
صمت لحظة، ثم قال: – لا تدعي أحدًا يسيطر على عقلك.
وأشار إلى رأسه، مضيفًا: – لديك هذه الحواس لتعيشي بها، لا لتُسلب منك. ثقي بنفسك، واعلمي أن الرجل، مهما كان، يظل خيارًا. إن رغبتِ به فهو اختيارك، وإن لم تريديه، فهناك من يتمنى ابتسامتك.
ثم تابع: – لا تحزني، أطلقي الفرح الذي بداخلك. لا تحبسي حياتك في شخص واحد.
ابتسمت ليلي قليلًا، وقالت بمرارة: – قاتل الله الغيرة… إنه مجنون بها، ولا أعلم كيف أقنعه أن عملي هو كياني. يريدني أن أعود إلى المغرب، وقد حاولت إقناعه، لكنه يرفض حتى الاستماع.
واشتد بكاؤها.
تنهد رينو وقال: – أنتِ فرنسية، أليس كذلك؟
أجابت: – نعم… فرنسية من أصل مغربي.
ضحك وقال: – لم أسألك عن الجذور، بل عن الهوية.
أجابت: – نعم، فرنسية.
قال مبتسمًا: – وهل تحبين عملك؟
– نعم.
ضحك مجددًا: – إذن، يا فرنسية الحسناء، أمامنا عمل ثقيل. مقتل رجل بحجم مسيو ريزويلي سيلقي بظلاله علينا جميعًا. وإن لم نجد القاتل سريعًا، فلن ننجو من ضغط الرأي العام، ولا من الصحافة الفرنسية التي تعشق الصيد في هذه الظروف.
السفر – مسقط
هاتف منى أخاها بصوتٍ يملؤه الحزن: – لم أفتح الموضوع مع والدي بعد… لا أجد مبررًا مقنعًا. أنت تعرفه جيدًا؛ لا يقتنع إلا بحجة قوية. وهو محق، فقد انشغلت كثيرًا عن العائلة. ماذا أقول له الآن؟
سكتت لحظة، ثم أضافت: – لا أستطيع أن أقول له إني لن أذهب معكم… الأمر صعب.
ثم ضحكت بخفة، وأردفت: – على العموم، سافروا أنتم واستمتعوا بالرحلة… ولا تنسَ أن تسلم لي على بوردو.
ثم أنشدت بصوت خافت:
“وإني أهيم شوقًا إن مرَّ بخاطري
ذاك المكانُ الذي في بُعدِهِ ألمُ”
ضحك حمد وقال: – سأحاول مع الوالدة، لعلها تقنع عمي.
ابتسم العميد حمد وأضاف: – أول ما نتعلمه في جهاز الشرطة هو عدم اليأس… اطرق كل الأبواب، فلا بد أن يُفتح لك باب.
الباب يُفتح
في مكان آخر، جلس رجل الأعمال علي بن سليمان يتأمل ملف مشروعه الجديد.
اتصل بالمهندس سالم، الذي أكد له أن شحنات الحديد لم تصل بعد إلى ميناء صحار، مما قد يؤثر في مواعيد التسليم.
قال سالم: – الأفضل أن تبقى في مسقط هذه الفترة حتى تصل الشحنة، فالمتابعة المباشرة ضرورية.
هز علي رأسه وقال: – لكنني وعدت أبنائي برحلة إلى إسطنبول هذا الأسبوع.
أجابه سالم: – يمكن تأجيل الرحلة أسبوعًا، وعندما تصل الشحنة يمكنك السفر براحة.
قال علي بتردد: – لا أدري… ربما تتأخر الشحنة أكثر.
أنهى المكالمة، ثم نظر من نافذته، وكأن قرارًا صغيرًا بدأ يفتح بابًا لأحداث أكبر بكثير مما يتوقع.
يتبع…


