مجموعات “المسير الجبلي” والمسير الحُرّ… شغف شبابي يقود إلى اكتشاف كنوز عُمان الطبيعية

نشرت :

مسقط : العمانية

تشهد رياضة "المسير الجبلي" الهايكنج والمسير الحر في سلطنة عُمان حضورًا متناميًّا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بإقبال متزايد من فئة الشباب على الأنشطة المرتبطة بالطبيعة والمغامرة والاستكشاف، في ظاهرة تجاوزت مفهوم الرحلات الترفيهية التقليدية لتتحول إلى نشاط مجتمعي وسياحي وبيئي يسهم في التعريف بالمواقع الطبيعية وتعزيز مفاهيم السياحة المستدامة والمسؤولية البيئية.

وفي ظل ما تتمتع به سلطنة عُمان من تنوع جغرافي وبيئي يمتد من الجبال الشاهقة إلى الأودية والشواطئ والقرى التاريخية، برزت مجموعات أهلية وشركات متخصصة في تنظيم رحلات الهايكنج والمسير الحر، يقودها شباب عُمانيون نجحوا في استقطاب أعداد متزايدة من المشاركين، وأسهموا في بناء مجتمع متكامل يهتم بالمغامرات والأنشطة الخارجية وفق معايير السلامة والتنظيم.

ويؤكد المهتمون بهذا القطاع أن الهايكنج لم يعد نشاطًا رياضيًّا فحسب، بل أصبح مساحة لاكتشاف الذات وتعزيز الصحة الجسدية والنفسية، إلى جانب دوره في تنشيط السياحة الداخلية وفتح آفاق اقتصادية جديدة للمجتمعات المحلية.

وفي هذا السياق، قال المغامر محمود بن عبد الله العامري، الرئيس التنفيذي لشركة "غير روتينك" للمغامرات: إن انطلاقة المجموعة جاءت من شغف شخصي وتجارب استكشافية بسيطة بدأت عام 2016 مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء كانوا ينظمون رحلات للمشي بين الأودية والجبال خلال عطلات نهاية الأسبوع.

وأوضح أن نشر صور تلك الرحلات عبر منصات التواصل الاجتماعي أسهم في استقطاب اهتمام عدد كبير من الشباب الراغبين في خوض التجربة، إلا أن محدودية المعرفة بالمسارات الطبيعية ومتطلبات السلامة دفعت إلى التفكير في تأسيس كيان منظم يوفر بيئة آمنة ومنظمة لهواة المغامرات.

وأشار إلى أن الهايكنج بالنسبة له يمثل أسلوب حياة أكثر من كونه نشاطًا بدنيًا، إذ يمنح المشاركين فرصة للتأمل والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، إلى جانب التعرف على مواقع طبيعية وتاريخية متنوعة واكتشاف الجوانب الجمالية للمشهد الطبيعي العُماني.

وبيّن أن المجموعة شهدت تطورًا متسارعًا منذ تأسيسها، إذ بدأت بعدد محدود من المشاركين قبل أن تتحول إلى مجتمع يضم مئات الأعضاء من مختلف الفئات العمرية والجنسيات، مع توفير قادة مسارات مؤهلين ومعدات سلامة متخصصة وأجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى تنظيم رحلات تخييم ومسارات ممتدة لعدة أيام داخل السلطنة وخارجها.

ولفت إلى أن أبرز التحديات في المراحل الأولى تمثلت في محدودية الخرائط الرقمية الدقيقة للمسارات الجبلية وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع الطبيعية، الأمر الذي استدعى تنفيذ عمليات استكشاف ميدانية مسبقة لتقييم المسارات وضمان سلامة المشاركين، إلى جانب الحاجة إلى رفع الوعي المجتمعي بطبيعة هذه الرياضة وأهميتها.

وأوضح أن اختيار الوجهات والمسارات يتم وفق منهجية تعتمد على دراسة طبيعة الموقع ومستوى صعوبته والظروف المناخية المحيطة به ومتطلبات الأمن والسلامة، مع مراعاة اختلاف مستويات المشاركين واحتياجاتهم، سواء كانوا من المبتدئين أو العائلات أو أصحاب الخبرة في المغامرات.

وأكد أن ما يميز تجربة الهايكنج في سلطنة عُمان هو التنوع الجغرافي الكبير الذي يتيح الانتقال خلال مسافات قصيرة بين البيئات الساحلية والجبلية والأودية، إلى جانب ما تزخر به القرى العمانية من موروث ثقافي وإنساني يثري تجربة الزائر ويمنحها أبعادًا تتجاوز المغامرة إلى التعرف على الهوية المحلية.

ومن جانب آخر، يرى المشاركون في هذه الرحلات أن الهايكنج أصبح تجربة متكاملة تنعكس على نمط الحياة وتعزز من جودة الحياة اليومية.

وقال المغامر أحمد بن سيف الشريقي، رئيس فريق سوني للمغامرات الجبلية: إن حب الطبيعة والرغبة في خوض تجارب مختلفة كانا الدافع الرئيس لانضمامه إلى مجموعات الهايكنج، موضحًا أنه كان يبحث عن نشاط يجمع بين الفائدة الصحية والمتعة والاستكشاف.

وأضاف أن المشاركة المستمرة في الرحلات وفرت له فرصة لاكتشاف أماكن جديدة والتعرف على أشخاص يشاركونه الاهتمامات ذاتها، إلى جانب تعزيز الشعور بالارتباط بالطبيعة والانفتاح على تجارب إنسانية مختلفة.

وبيّن أن هذه التجربة أحدثت تغييرًا واضحًا في أسلوب حياته، إذ أصبح أكثر التزامًا بممارسة الرياضة وتنظيم الوقت والانضباط الشخصي، فضلًا عن تعزيز وعيه بأهمية المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية.

وأشار إلى أن من أكثر التجارب التي لا تزال حاضرة في ذاكرته الرحلات التي نُظمت إلى الجبل الأخضر، إلى جانب عدد من الرحلات في الأودية والبرك الطبيعية التي جمعت بين المشي لمسافات طويلة ومتعة الاستكشاف.

وأكد أن الهايكنج أسهم في تطوير مهارات متعددة لديه، من بينها التخطيط، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار، والتعامل مع الظروف الميدانية المختلفة، فضلًا عن تطبيق إجراءات السلامة والتعامل المسؤول مع المواقع الطبيعية.

وأوضح أن لهذه الأنشطة انعكاسات إيجابية على الصحة البدنية والنفسية، من خلال رفع مستوى اللياقة وتقوية القدرة على التحمل والتخفيف من التوتر والضغوط اليومية وتحسين الحالة المزاجية.

ودعا الشباب إلى خوض هذه التجربة بصورة واعية ومنظمة، مؤكدًا أن الالتزام بالتجهيزات المناسبة وإرشادات السلامة يجعل من الهايكنج نشاطًا ممتعًا وآمنًا يترك أثرًا إيجابيًا طويل الأمد.

وفي جانب متصل بالسياحة الداخلية، يؤكد المختصون أن مجموعات الهايكنج أصبحت اليوم إحدى الأدوات غير التقليدية للترويج السياحي والتعريف بالمقومات الطبيعية التي تتمتع بها سلطنة عُمان.

في السياق ذاته قال المغامر سالم بن يعقوب الصلتي، المهتم بمجال الهايكنج والمغامرات الجبلية: إن هذه المجموعات لعبت دورًا مهمًّا في إبراز العديد من المواقع الطبيعية والتعريف بها من خلال تنظيم الرحلات واستكشاف المسارات وتوثيق التجارب.

وأشار إلى أن عددًا من المواقع شهد إقبالًا متزايدًا نتيجة النشاط الإعلامي والتوثيقي الذي تقوم به مجموعات الهايكنج، من بينها أودية ومسارات جبلية متعددة أصبحت أكثر حضورًا على خارطة السياحة الداخلية.

وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بصورة كبيرة في هذا التحول، إذ أصبحت الصور والمقاطع المنشورة نافذة تعكس التنوع البيئي والجغرافي الذي تزخر به سلطنة عُمان وتشجع الزوار على استكشاف مواقع جديدة.

وأضاف أن اكتشاف مسارات غير معروفة يسهم في توزيع الحركة السياحية وعدم تركّزها في مواقع محددة، بما يدعم المجتمعات المحلية ويمنح الفرصة للتعريف بمناطق تمتلك مقومات طبيعية وسياحية واعدة.

وأكد أن سياحة المغامرات أصبحت اليوم قطاعًا متطورًا لا يقتصر على المشي الجبلي، بل يشمل أنشطة متنوعة مثل استكشاف الكهوف والمسارات المتخصصة وتجارب المغامرات الحديثة.

وبيّن أن هذا النشاط يمتلك فرصًا اقتصادية واعدة من خلال دعم خدمات الإرشاد وبيوت الضيافة والمطاعم المحلية والحرف التقليدية والمشروعات الصغيرة، بما يعزز القيمة المضافة للقطاع السياحي.

وفي البعد البيئي، تؤكد المهتمات والناشطات في هذا المجال أن الحفاظ على الطبيعة يجب أن يظل جزءًا أصيلًا من أي نشاط مرتبط بالمغامرات والاستكشاف.

وقالت المُغامرة ابتهاج بنت محمد البحرية: إن مجموعات الهايكنج يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًّا في حماية البيئة من خلال نشر السلوكيات الإيجابية وتعزيز مفهوم السياحة المسؤولة.

وأوضحت أن الرحلات التي يتم تنظيمها لا تركز على الجانب الترفيهي فقط، بل تتضمن رسائل توعوية تشجع المشاركين على احترام الطبيعة والمحافظة عليها.

وأضافت أن من أبرز السلوكيات التي يتم التأكيد عليها عدم ترك المخلفات وجمع النفايات الموجودة مسبقًا والالتزام بالمسارات المحددة وعدم الإضرار بالنباتات أو الحياة الفطرية، إضافة إلى تشجيع استخدام الأدوات القابلة لإعادة الاستخدام.

وأشارت إلى تنفيذ عدد من المبادرات التطوعية لتنظيف المواقع الطبيعية ورفع مستوى الوعي البيئي لدى المشاركين، مؤكدة أن هذه المبادرات انعكست بصورة إيجابية على سلوك الأفراد داخل الرحلات وخارجها.

وبيّنت أن من أبرز التحديات البيئية التي تواجه بعض المواقع الطبيعية زيادة أعداد الزوار وظهور بعض الممارسات غير الملائمة مثل ترك المخلفات أو التأثير على المشهد الطبيعي.

وأكدت أن تحقيق التوازن بين تنشيط الحركة السياحية والمحافظة على البيئة يتطلب تعاونًا بين الجهات المختصة والمنظمين والزوار، إضافة إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية البيئية.

وفي محور مستقبل الهايكنج والمسير الحر، أكدت المغامرة أميرة بنت عبد الله بن سالم الخروصية، رئيسة اللجنة النسائية التابعة للمركز الرياضي بولاية العوابي، أن المؤشرات الحالية تعكس مستقبلًا واعدًا لهذا القطاع في سلطنة عُمان.

وأوضحت أن الإقبال المتزايد على المشاركة في الفعاليات والمسارات يؤكد وجود اهتمام مجتمعي متنامٍ، مشيرة إلى أن بعض الفعاليات سجلت مشاركة كبيرة تعكس اتساع قاعدة المهتمين بهذا النوع من الأنشطة.

وقالت إن الهايكنج يفتح أمام الشباب فرصًا متعددة تشمل اكتشاف الطبيعة وتعزيز الصحة وتنمية المهارات الشخصية وخلق فرص مرتبطة بالعمل الحر والأنشطة السياحية.

وأضافت أن هذه التجارب تمثل كذلك وسيلة لتعزيز العلاقات الاجتماعية والتقليل من التأثيرات السلبية للاستخدام المفرط للأجهزة الذكية، ما يعزز التواصل الإنساني والعمل الجماعي.

وأكدت أن فرق المغامرات الأهلية بحاجة إلى مزيد من الدعم عبر برامج التدريب المتخصصة في الأمن والسلامة، وتسهيل الإجراءات، وتوسيع نطاق التغطية الإعلامية، إلى جانب تطوير الخدمات المرتبطة بالمسارات الطبيعية.

واقترحت التوسع في تأهيل قادة المسارات ووضع العلامات الإرشادية وربط المسارات بالخرائط والمنصات العالمية وتوفير الخدمات الأساسية للزوار، بما يشمل مرافق الاستراحة ومنافذ المنتجات المحلية.

وأشارت إلى أهمية تعزيز خدمات الأمن والسلامة والطوارئ والإنقاذ في المواقع الجبلية، إلى جانب تنويع الأنشطة المصاحبة بما يتناسب مع طبيعة كل موقع.

وأكدت أن المؤسسات الحكومية والخاصة تمتلك دورًا محوريًّا في دعم هذا القطاع من خلال تطوير البنية الأساسية والترويج السياحي وتوفير التدريب والخدمات اللوجستية.

واختتمت حديثها بدعوة الشباب إلى استثمار شغفهم بالمغامرات والطبيعة والانخراط في تجارب تسهم في بناء الشخصية وخدمة المجتمع، مؤكدة أن الطبيعة العمانية بما تحمله من تنوع وجمال تظل مساحة مفتوحة للاكتشاف والتعلم وصناعة التجارب الملهمة.

ويبدو أن الهايكنج والمسير الحر في سلطنة عُمان يتجهان نحو مرحلة جديدة من النضج والتنظيم، في ظل تزايد المبادرات المجتمعية وارتفاع الوعي بأهمية السياحة البيئية، ما يجعل من هذه الأنشطة إحدى المسارات الواعدة لتعزيز جودة الحياة والتعريف بالثروات الطبيعية التي تزخر بها سلطنة عُمان، وترسيخ مكانتها وجهةً جاذبةً لسياحة المغامرات والاستكشاف.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img