رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
في زمن يتسارع فيه التحول الاقتصادي العالمي، تبرز علاقات السلطنة العمانية مع الجمهورية الفرنسية كنموذج ناجح للشراكة الاستراتيجية القائمة على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.
تجمع هذه العلاقات بين جذور تاريخية عميقة وتعاون حالي متنوع يشمل الاستثمار، الاقتصاد، التعليم، البحث العلمي، الصناعة، السياحة، واللوجستيات، مما يفتح أبواباً واعدة لمستقبل مزدهر لكلا البلدين.
تعود بدايات العلاقات العمانية-الفرنسية إلى القرن السابع عشر والثامن عشر، حيث نشأت عبر التجارة البحرية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا.
شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً مع اتفاقيات تجارية في عهد السلطان سعيد بن سلطان، وتعززت دبلوماسياً في العصر الحديث منذ السبعينيات. هذا التاريخ المشترك يشكل أساساً متيناً للثقة السياسية والتعاون اليوم، حيث يتفق البلدان على مبادئ الحوار والاستقرار الإقليمي. تُعد فرنسا شريكاً اقتصادياً مهماً لعُمان.
تستثمر عشرات الشركات الفرنسية (مثل TotalEnergies، ENGIE، Suez، Veolia، CMA-CGM) في قطاعات حيوية، وقد تجاوزت استثماراتها في الطاقة وحدها 1.7 مليار دولار في السنوات الأخيرة. ينمو التبادل التجاري بشكل ملحوظ (بنسبة تصل إلى 60% في بعض السنوات)، مع تركيز على الطاقة المتجددة، الهيدروجين الأخضر، الصناعات المتقدمة، التحول الرقمي، والاقتصاد الأزرق وتتوافق هذه الشراكة تماماً مع رؤية عمان 2040 للتنويع الاقتصادي، وتدعم جهود فرنسا في تعزيز حضورها في منطقة الخليج. الزيارات المتبادلة والحوار الاستراتيجي الأول في باريس (أبريل 2026) يعكسان التزاماً بتعميق هذا التعاون الاقتصادي. يشهد التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي تقدماً ملموساً. اتفاقيات مثل تلك الموقعة مع SFERE حتى 2030، وبرامج المنح الدراسية المشتركة عبر Campus France، تفتح أبواب الجامعات الفرنسية المرموقة أمام الطلاب العمانيين كما يتزايد الاهتمام بالشراكات الجامعية، الابتكار، وريادة الأعمال ويُعد هذا التعاون استثماراً استراتيجياً في الأجيال القادمة، خاصة في مجالات العلوم، التكنولوجيا، والابتكار التي تدعم التحول نحو اقتصاد المعرفة.
كما تتوسع الشركات الفرنسية في الصناعة، النقل، واللوجستيات (مثل Bolloré وCMA-CGM)، مما يعزز موقع عمان كمركز لوجستي إقليمي. أما السياحة فتشهد تعاوناً في السياحة الفاخرة والبنية التحتية، مستفيدة من التراث الثقافي المشترك والإمكانيات الطبيعية.
تمثل زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى فرنسا (يونيو 2026) وتوقيع الاتفاقيات الجديدة فرصة ذهبية لرفع مستوى هذه الشراكة. في عالم مليء بالتحديات، تثبت مسقط وباريس أن الدبلوماسية الهادئة والتعاون العملي يمكنان من بناء مستقبل مشترك يعتمد على الاستدامة، الابتكار، والاحترام المتبادل وهذه العلاقات ليست مجرد تبادل تجاري أو سياسي، بل هي نموذج لكيفية تحويل التاريخ إلى قوة دافعة للتقدم. يبقى الأمل كبيراً في أن تثمر هذه الشراكة مزيداً من الازدهار لشعبي البلدين.
حفظ الله عمان ارض وشعبا وسلطان من كل مكروه والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة …


