د. رفيعه الحجري
ليست ظفار مجرد أرضٍ تحتضن الجبال والسهول والبحر، بل هي مدرسةٌ في النخوة، وموطنٌ للمروءة، ومنبعٌ للكرم الذي لا يعرف حدودًا. وفي كل موقفٍ عظيم، تثبت هذه الأرض الطيبة أن الرجال هم من يصنعون التاريخ، وأن الأمم تُخلَّد بمواقف أبنائها قبل أن تُخلَّد بسنواتها.
لقد سطر التاريخ لظفار صفحةً جديدةً تُضاف إلى سجلها المشرق، صفحةً عنوانها التلاحم، ومضمونها العطاء، وروحها الإنسانية الخالصة. ففي هذه الملحمة المباركة، تجلت أسمى صور الشهامة، حين تسابق أبناؤها إلى البذل والعطاء، لا ينتظرون جزاءً ولا شكورًا، وإنما ابتغاء مرضاة الله، وإغاثة الملهوف، وإنقاذ النفس التي جعل الله إحياءها بمنزلة إحياء الناس جميعًا.
لقد كانت ظفار، وهي تنظر إلى رجالها، كالأم التي يفيض قلبها فخرًا بأبنائها؛ أبناءٍ حملوا همّ الإنسان قبل أن يحملوا همّ أنفسهم، فبذلوا الغالي والنفيس، ومدوا أيديهم بالعطاء، وأثبتوا أن الكرم الحقيقي هو أن تمنح الحياة لمن أوشك أن يفقدها، وأن النخوة لا تُقاس بكثرة الكلمات، وإنما بعظمة المواقف.
وفي هذا المشهد الإنساني العظيم، بدا وكأن الجميع يتسابقون في ميدانٍ لا يكون الفوز فيه بالسبق إلى المجد الشخصي، وإنما بالسبق إلى إنقاذ الأرواح وصناعة الأمل. فكان الكرم هو الفائز، وكانت الإنسانية هي المنتصرة، وكانت ظفار هي العنوان الذي اجتمعت تحته القلوب قبل الأيدي.
إن هذه المواقف ليست حادثةً عابرة، بل امتدادٌ لإرثٍ عريقٍ توارثته الأجيال في ظفار؛ إرثٍ قوامه الشهامة، وأساسه التكاتف، وروحه الإيثار. ولهذا ستبقى هذه الملحمة شاهدًا خالدًا على أن المجتمعات العظيمة لا تُبنى بالأموال وحدها، وإنما تُبنى برجالٍ يحملون قيم الوفاء والرحمة والمسؤولية، ويهبّون عند الحاجة دون تردد.
لقد بيّض أبناء محافظة ظفار، بمختلف فئاتهم وأعراقهم وأجناسهم، وجه محافظتهم العريقة الشامخة، وأظهروا للعالم صورةً مشرقةً لمجتمعٍ إذا نادى الواجب لبوا النداء، وإذا استغاث المحتاج أجابوا، وإذا تعلق الأمر بحياة إنسان، جعلوها فوق كل اعتبار.
بيض الله وجوههم فردا فردا وجزى الله خير الجزاء كل من أعطى، وكل من سعى، وكل من شارك، وكل من دعا سراً او علانية، وكل من كان له سهمٌ في هذه الملحمة الإنسانية المشرفة. نسأل الله أن يجعل ما بذلوه في موازين حسناتهم، وأن يبارك لهم في أموالهم وأهليهم وأبنائهم، وأن يعوضهم أضعافًا مضاعفةً من فضله وكرمه.
شكرًا لظفار… أرضًا وإنسانًا. وشكرًا لأهلها الأوفياء، من أقصى المحافظة إلى أقصاها، فقد أثبتم أن الرجال تُعرف بمواقفها، وأن الكرم إذا اجتمع مع الشجاعة والإيمان صنع تاريخًا لا ينساه الزمن، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل


