“بطيخ الغوريلا” لـ دانا برقاوي.. الفنُّ إذ يحرس الذّاكرة

نشرت :

مسقط : العمانية

تواصل الفنانة الأردنية دانا برقاوي في معرضها "بطيخ الغوريلا"، الاشتغال على مشروعها الذي يمزج بين الفن البصري والذاكرة الجمعية، مبرزة رموزاً فلسطينيّة تتمحور حول الهُويّة والحضارة المستقرة جذورها في الأرض.

يأتي المعرض المقام على جاليري وادي فينان في وقت يزداد فيه حضور الفن بوصفه وسيلة للتعبير عن الذاكرة الثقافية ومقاومة محاولات محوها، إذ تستند برقاوي إلى عناصر بصرية متجذرة في الوجدان الفلسطيني، لتصوغ منها أعمالاً تجمع بين الرمزية والجماليات التشكيلية، مع ترك مساحة واسعة للمتلقي لإنتاج قراءته الخاصة بالأعمال.

ويؤكد الفنان لورانس أبو حمدان في حديثه عن المعرض على أن عنوان "بطيخ" يحيل إلى واحد من أشهر الرموز الفلسطينية التي ارتبطت بتاريخ طويل من التعبير غير المباشر عن الهُوية الوطنية؛ فالبطيخ، بألوانه الأحمر والأخضر والأسود والأبيض، أصبح بديلاً بصرياًّ للعلم الفلسطيني في مراحل تاريخيّة شهدت تقييداً لرفع هذا العلم أو استخدامه في الفضاء العام، ليتحول إلى رمز للمقاومة الثقافية في مواجهة قوى المنع.

وتؤكد الأعمال المعروضة على أن الرمز لا يفقد قوته مع مرور الزمن، بل يكتسب طبقات جديدة من المعنى، إذ يتحول البطيخ هنا إلى استعارة بصرية عن الأرض والإنسان والذاكرة، كما يصبح اللون نفسه حاملاً لدلالات تتجاوز قيمته الجمالية، ومن هنا يظهر البطيخ كعلامة بصرية تختزن طبقات متعددة من المعاني، تبدأ من الأرض والخصوبة، وتمتد إلى الانتماء والذاكرة والقدرة على ابتكار وسائل جديدة للتعبير عن الهُويّة.

ويبرز في المعرض حضور المرأة الفلسطينية بوصفها محوراً أساسياًّ في السرد التشكيلي، وعنصراً مكمّلاً للمشهد، حيث تدور حولها معظم الأعمال، فهي حاملة للذاكرة وراوية للحكاية، وشاهدة على التحولات التاريخية المتعددة.

وإلى جانب استحضار عدد من الشخصيات والرموز الوطنية، يدمج المعرض -الذي يستمر حتى 23 يوليو الجاري- عناصر من البيئة الفلسطينية الأصيلة، مثل ثمار البرتقال، والأسماك، والقمح، والزهور، في تكوينات تشكيلية تتجاور فيها هذه المفردات لتشكّل سردية بصرية عن الأرض، والخصب، والعمل، والارتباط بالمكان.

وتبدو هذه العناصر وكأنها تعيد رسم خريطة وجدانية بعيداً عن الخرائط السياسية، إذ تتحول الأشياء اليومية إلى شواهد على الاستمرارية، وتغدو النباتات والثمار والبحر جزءاً من خطاب الهوية، بما يمنح الأعمال بعداً ثقافياًّ يتجاوز حدود اللوحة.

ويستند المعرض إلى فكرة أن الفن قادر على الاحتفاظ بالذاكرة حين تعجز الوسائل الأخرى عن ذلك، وأن الصورة تستطيع أن تحمل رواية كاملة من دون الحاجة إلى خطاب مباشر، وربما هذا ما قاد برقاوي إلى اعتماد لغة بصريّة هادئة نسبياًّ، لكنها مشحونة بالرموز والإشارات التي تستدعي تاريخاً طويلاً من التجارب الإنسانية.

وتكشف الأعمال عن اهتمام الفنانة بتفاصيل التكوين، وبناء العلاقات بين العناصر المختلفة داخل اللوحة، بحيث تبدو كل مفردة جزءاً من شبكة رمزية متكاملة، تتداخل فيها المرأة مع النبات، والفواكه مع الزهور، والذاكرة مع المكان، في محاولة لرسم صورة شاملة عن الهوية الفلسطينية بوصفها تجربة إنسانيّة وثقافيّة قبل أي شيء آخر.

ويلفت المعرض الانتباه إلى قدرة الفن المعاصر على إعادة قراءة الرموز التقليدية من دون الوقوع في التكرار أو المباشرة، إذ تقدم برقاوي رؤيتها الخاصة لهذه الرموز، معتمدة على حس بصري معاصر يوازن بين البساطة والعمق.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img