بقلم/ الحكواتية ثمنة الجندل
كانوا يقولون: إذا فرح بيت، فرحت معه الحارة كلها… وهكذا كان العرس الظفاري التقليدي؛ لم يكن مجرد زواج شخصين، بل حكاية مجتمعٍ بأكمله، تتعانق فيها القلوب قبل الأيادي، وتجتمع فيها قيم المحبة والتكافل مع العادات والفنون الأصيلة، لتصنع لوحة تراثية ما زالت تسكن ذاكرة أهل ظفار، وإن غاب اليوم بعضٌ من ملامحها الجميلة.
صحيح أن الزمن تغيّر، وأن كثيرًا من المظاهر التراثية اختفت أو تبدلت، لكن العرس الظفاري ما زال يحتفظ بروحه الخاصة، ويظل من أجمل الأعراس بهجةً ودفئًا. وبين الأمس واليوم، تبقى الحكاية جديرة بأن تُروى.
تبدأ الحكاية بالخِطبة وهي
أول خطوات العرس الظفاري ، وبعد الموافقة والاتفاق الرسمي بين الأسرتين. يتم بعدها “الثبوت”، أي تحديد المهر، ثم يتبعه ما يعرف بـ “تسليم الحق”.
يذهب العريس برفقة رجال من أصحاب المكانة والوجاهة، لتسليم ” الحق” وهو المهر المتفق عليه. واحتراما لهؤلاء الرجال، يخفض والد العروس مبلغا من قيمة المهر حياءً منهم، ويقول مبتسمًا:
“هذا قهوتكم.”
وكأن الكرم والمحبة كانا يسبقان المال.
وقبل العرس بفترة قد تمتد إلى سنة، تدخل العروس مرحلة تعرف بـ “التخمييل” و“العليف”.
أما التخمييل، فهو بقاء العروس في بيتها، ولا تخرج إلا نادرًا، لتتفرغ للعناية بنفسها، مستخدمةً ما جادت به الطبيعة من أعشاب ومواد مثل الكركم، والصبار، وصبغة النيل، والمر وغيرها من الأعشاب التي تمنح البشرة صفاء ونضارة.
وأما العليف، فليس كما قد يظنه البعض، وإنما هو الاهتمام بتغذية العروس بأطيب الطعام وأفيده، حتى تدخل ليلة زفافها وهي في أجمل حال.
لكن أجمل ما في تلك الفترة لم يكن الجمال الظاهر، بل الجمال الذي فى الباطن و يُزرع في القلب.
كانت النساء الكبيرات فى السن يجتمعن حول العروس، يروين لها خلاصة العمر، ويقدمن لها النصائح في حسن معاملة الزوج وأهله، ويعلمنها السنع، والذرابة، والتتويل؛ أي الاتيكيت والبروتوكول وآداب التعامل، والذوق، وحسن التصرف داخل الأسرة الجديدة.
وفي المقابل، كان الرجال من كبار السن يجلسون مع العريس، يوصونه بالرفق، والكرم، وحسن العشرة.
وربما لهذا كانت الحياة الزوجية أكثر استقرارًا؛ فالكلمة الطيبة كانت تُقال قبل أن تبدأ المشكلات، لا بعدها.
وقبل العرس بأيام، تتوافد صديقات العروس لزيارتها.
لم تكن الهدايا تُقاس بقيمتها المادية، بل بما تحمله من محبة وغلاء.
إحداهن تهدي التكية، وأخرى تقدم الدائر المطرز الذي يزين واجهة السرير، وثالثة تصنع الشبيحة لتزيين أعلى الأبواب أو النوافذ، وغيرهن يهدين العطور، أو البخور، أو الملابس، وكل واحدة تقدم للعروس ما تستطيع تقديمه.
وكان الجميع يؤمن بمبدأ جميل:
“من يقدم السبت يلاقي الأحد”
فمن تجامله اليوم، ستجده غدًا أول من يقف بجانبك.
التبييت، هو حيث يجتمع أهل العريس، والجيران، والأصدقاء، وتتردد الأهازيج والرقصات الشعبية حتى ساعات متأخرة من الليل،
وكأن الفرح يرفض أن ينام.
فالعرس لم يكن مناسبة تخص بيتًا واحدًا، بل مناسبة يعيشها الحيً كله.
وقبل ظهور البوفيهات وقاعات الأفراح، كانت وليمة العرس “الضيفة” تُطهى في بيت العريس.
وقبل الطبخ بأيام، تجتمع نساء الأسرة لتنقية الأرز من الشوائب “التطييب” ثم يسلم للطباخين المشهورين بإعداد الولائم.
وما إن يبدأ القدر بالغليان، حتى تعبق رائحة القبولي والبهارات في أرجاء الحي.
وكان الجميع يعرف أن في هذا البيت عرسًا.
وبعد اكتمال الطبخ، تُرسل صياني القبولي إلى الأقارب والجيران، فيدعون للعروسين بالخير والبركة “عرس مبروك، يؤتون على مالهم وعيالهم، وزواجة الدهر”.
في بيت العريس، ترتدي النساء أجمل الثياب، ويتزين بالحلي، ويقفن في صفين متقابلين، يرددن الأغاني والأهازيج الشعبية، ويستقبلن المهنئات بابتسامات صادقة.
كان المشهد بسيطًا، لكنه مليء بالدفء.
ومن أجمل الطقوس التي افتقدناها اليوم هو موكب التحويل.
حيث تخرج العروس في موكب مهيب، تتقدمها الفتيات وهن فى قمة زينتهن، وتتوسط النساء العروس حتى يصلن إلى بيت العريس، وهن يقلن: “حولوا بالعروس إلى بيت الكلين -العريس-.
وعند الباب، تستقبلهن أم العريس، أو من تقوم مقامها، مع مجموعة من نساء العائلة المشهود لهن برجاحة العقل، حسن المنطق، يرحبن بالعروس ومن معها، بكلما جميلة ومعبرة ، يمدحن فيها العروس وأهلها ، مثل: ياحيّ ببنت مدحدحين العقاب، وكاشحين الركاب، يا حيا بنت قصاع ومصاغ، يا حيا ببنت قادمين قدام، قدمت لك الحسن والحسين اللى ماسكين شباك النبي بيدين….الخ.
وكان من العادات ألا يرافق الأب ابنته إلى بيت الزوج يوم التحويل، عليه أن يراها فى اليوم التالي او الذي يليه، والجميع كان يحترم العادات و لتقاليد الاجتماعية التى كانت سائدة آنذاك.
وفي يوم المصابحة أو التخويد، تبدو العروس كأنها خرجت من حكاية شعبية.
ترتدي ثوبًا ظفاريًا من المخمل الأسود، يزدان بتطريزات الذهب، وتتلألأ عليه فصوص الكريستال، حتى يبدو كسماء مرصعة بالنجوم.
أما شيلة الرأس، فكانت تختار بعناية لتتناغم مع سواد المخمل.
فاللون الأخضر يرمز للنماء والبركة، والأصفر يشبه شمس الصباح فيزيد الذهب إشراقًا، بينما يمنح الأحمر العروس هيبةً وحضورًا لا ينسى.كأنها لوحة فنية تمشي على الأرض.
لا شك أننا نفتقد كثيرًا من ملامح العرس الظفاري الأصيل، لكن هذا لا يعني أن مظاهر اليوم تخلو من الجمال.
فالقاعة الحديثة، والتنظيم، والتقنيات الجديدة، كلها أضافت لمسات من الإبهار والراحة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصنعه اليوم هو أن نجمع بين أصالة الماضي وروعة الحاضر؛ فنحافظ على القيم والمثل الايجابية ،، ونستفيد في الوقت نفسه من كل ما ييسر الحياة، بعيدًا عن المبالغة والإسراف.
فالزواج ليس يومًا واحدًا، بل بداية عمر.
فالوجوه قد تتغير، والثياب قد تتبدل، لكن ابتسامة العروس، وفرحة العريس، ودعوات الأهل، ستظل دائمًا أجمل ما فى العرس.


