لم يكن بابو يبيع نفاخات… وميسي والفيفا لا يبيعون كرة القدم

نشرت :

في دكان الحارة كان بابو يعرف كل الأطفال بأسمائهم، ويعرف أيضًا من سيدفع اليوم، ومن سيعود غدًا بعد أن يحصل على مصروفه. كان دكانه صغيرًا، لكنه بالنسبة لنا كان أكبر من أي مركز تجاري. هناك اشترينا أول شاكليته، وأول بوب وسنتوب، وأول لعبة، وهناك أيضًا تعلّمنا أول درس في الاقتصاد، دون أن ندري.

داخل الدكان علّق بابو لوحًا تتدلى منه مئة نفاخة للأطفال. تسع وتسعون نفاخة صغيرة ومتوسطة بألوان عادية، ونفاخة واحدة فقط أكبر حجمًا وأكثر ألوانًا، تراها قبل أن ترى الدكان نفسه. يدفع الطفل خمسين بيسة، يختار رقمًا، ثم ينتظر أن يكشف بابو الورقة المخبأة خلفه.

إذا خرجت له النفاخة الكبيرة، خرج من الدكان وكأنه انتصر في بطولة العالم. لم تكن أغلى ثمنًا، ولم تكن تعيش أكثر من غيرها، لكنها كانت تمنحه شيئًا لا يباع ولا يشترى؛ نظرات الإعجاب من بقية أطفال الحارة. أما من حصل على نفاخة صغيرة، فلم يكن يشعر بأنه خسر. كان ينظر إلى النفاخة الكبيرة المعلقة ويقول في نفسه: ربما تكون من نصيبي المرة الجاية او حاسديني ولاد القاو.

بعد سنوات أدركت أن بابو لم يكن يبيع نفاخات أصلًا. كان يبيع الأمل.

وكان يفهم، بفطرته، ما سيكتبه علماء الاقتصاد السلوكي بعد عقود طويلة. فالناس لا يدفعون مقابل الأشياء فقط، بل مقابل احتمال الحصول على الشيء الذي يحلمون به.

ولذلك لم تكن النفاخة الكبيرة تظهر في بداية اليوم. لو خرجت مع أول طفل لانتهت اللعبة، وتحولت بقية النفاخات إلى قطع مطاط لا تستحق خمسين بيسة. كانت قيمة اللوح كله معلقة بتلك النفاخة التي ما زالت تنتظر صاحبها. بابو لم يكن يبيع المطاط، بل كان يبيع احتمال الفوز.

قبل أيام فقط رأينا النسخة الحديثة من لوحة بابو، ولكن هذه المرة على مستوى العالم.

بعد خروج كريستيانو رونالدو من البطولة، لم تتغير الملاعب، ولم تتغير جودة المباريات، ولم تتغير قوانين كرة القدم، لكن أسعار التذاكر في سوق إعادة البيع هبطت بصورة كبيرة. فجأة أصبحت المباراة نفسها أقل قيمة، ليس لأن الكرة أصبحت أسوأ، بل لأن الحكاية التي كان الناس يريدون شراءها اختفت.

الذين دفعوا آلاف الدولارات لم يكونوا يشترون تسعين دقيقة من كرة القدم، بل كانوا يشترون فرصة أن يقولوا بعد عشرين عامًا: “كنت حاضرًا آخر مباراة لرونالدو.”

هذه ليست قصة رياضية، بل درس في الاقتصاد السلوكي.

فالإنسان لا يقيم الأشياء بقيمتها المادية فقط، وإنما بالقصة التي سيحملها معه بعد انتهائها.

وهنا يظهر مبدآن يفسران كثيرًا من سلوك البشر. الأول هو النفور من الخسارة؛ فالناس يتألمون من ضياع الفرصة أكثر مما يفرحون بالمكسب نفسه. ولذلك لم يكن السؤال: هل تستحق التذكرة هذا السعر؟ بل كان: ماذا لو كانت هذه آخر مباراة لميسي ولم أشاهدها؟

أما المبدأ الثاني فهو الندرة. كلما اقترب الشيء من نهايته، ازدادت قيمته النفسية. ليس لأنه أصبح أفضل، بل لأن العقل يدرك أنه لن يتكرر كثيرًا. ولهذا ترتفع قيمة آخر حفلات الفنانين، وآخر لوحات الرسامين، وآخر مباريات الأساطير.

بابو عرف هذين المبدأين قبل أن يعرف اسميهما.

ولهذا يتكرر اليوم سؤال في المجالس ووسائل التواصل: هل تحتاج الفيفا إلى بقاء ميسي في البطولة؟

الإجابة المهنية واضحة؛ لا يوجد دليل يثبت أي تلاعب في نتائج المباريات، . لكن الحقيقة الأخرى هي أن الحوافز الاقتصادية واضحة أيضًا. فكل يوم إضافي يبقى فيه ميسي داخل البطولة يعني مزيدًا من المشاهدات، والإعلانات، وحقوق البث، والاهتمام الإعلامي. فالنجوم لا يصنعون المتعة فقط، بل يصنعون الاقتصاد أيضًا.

ومع ذلك يبقى الفرق الأخلاقي كبيرًا. بابو كان يعرف أين توجد النفاخة الكبيرة، أما كرة القدم فلا تعرف من سيفوز. وفي هذا المجهول تحديدًا تكمن عدالة اللعبة وسحرها.

ثم تأتي طبقة أخرى أعمق من المال والتذاكر. عندما يصبح اللاعب قدوة، تتحول أفعاله إلى رسائل تنتقل عبر العالم. ملايين الأطفال يقلدون أبطالهم دون أن يشعروا. وحين كان محمد صلاح يسجد بعد تسجيل الأهداف، لم يكن كثير من الأطفال الانجليز مشجعي ليفربول يقلدون عقيدة بقدر ما كانوا يقلدون بطلًا أحبوه. وهذا ما يسميه علماء السلوك التعلم بالملاحظة؛ فنحن نتعلم من الأشخاص أكثر مما نتعلم من الكتب.

ولهذا لا تبيع البطولات كرة القدم فقط، بل تبيع نماذج يحتذي بها الناس، وتبيع قصصًا يعيشها الملايين، وتبيع مشاعر تبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى النتائج في سجلات التاريخ.

ولعل أكبر خطأ يقع فيه القادة اليوم هو اعتقادهم أن الناس يشترون المنتج، أو أن الموظفين يعملون من أجل الراتب فقط، أو أن العملاء يتخذون قراراتهم بالأرقام وحدها. الحقيقة أن الإنسان يتحرك بالمعنى قبل المنفعة، وبالقصة قبل السلعة، وبالأمل قبل الواقع.

كلما اقترب ميسي من نهاية مسيرته، ازداد تعلق العالم به، ليس لأن كل مباراة أصبحت أفضل، بل لأن كل مباراة قد تكون الأخيرة.

ولهذا، كلما مررت بدكان صغير ورأيت طفلًا يمشي مزهوًا بنفاخته بين أصدقائه، أتذكر بابو، وأبتسم.

فالرجل لم يكن يبيع نفاخات.

وكانت الفيفا، هي الأخرى، لا تبيع كرة القدم.

كلاهما كان يبيع الحلم.

والإنسان، منذ آلاف السنين، ما زال مستعدًا لأن يدفع أغلى الأثمان مقابل الحلم.

عبدالله بن محمد العبري


باحث في الاقتصاد السلوكي


٩ يوليو ٢٠٢٦ م


✉️ mrabri@gmail.com

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img