كان يتداول إعلاميا وعلى نطاق واسع ما يسمى بـ “النكف القبلي”، وهو عرف قبلي راسخ في بعض الدول العربية، ولا سيما في جزيرة العرب، ويعني استنفار القبائل الأخرى استجابة لدعوة أحد شيوخ القبائل، لما وقع عليه من ظلم، أو التزاما بنصرة دخيل. وقد حظيت حادثة النكف القبلي الأخيرة باهتمام إقليمي واسع، خاصة على المستوى الاجتماعي، لما تجسده من قيم الاصطفاف القبلي في نصرة المظلوم. وقد أسهم هذا العرف في حفظ هيبة المجتمعات، بل وحتى هيبة الدولة؛ فالقبيلة جزء أصيل منها، بل رأسها وعمودها.
هذا قبل…
اما بعد…
فقد كانت القبيلة حامية للرسول صلى الله عليه وسلم – بعد الله – في مختلف مراحل الدعوة، وأسهمت في قيام الدولة الإسلامية، ولذلك تتجلى أهمية دور القبيلة ومكانتها بوصفها ركنا أساسيا في الأوطان العربية والإسلامية، كما تجلى ذلك في وثيقة المدينة المنورة التي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، تحت شعار “أمة واحدة”.
فمن يتجاهل مكانة القبيلة بأعرافها، وجغرافيتها، وتاريخها، وتضحياتها، وما عرفت به من قوة ونخوة ومروءة وولاء، ويستبدل بذلك ما يسمى بـ”السلالية”، أي حصر مفاصل الدولة، كما في بعض التجارب الإقليمية، في فئة بعينها، متجاهلا بقية المكونات الاجتماعية والوطنية، فإن ذلك، كما تقول التجربة التاريخية، يمثل خسارة لحاضنة اجتماعية عظيمة، وبداية لتدخلات ومآلات خطيرة على مختلف المستويات.
اخيرا…
انتهت، إلى حد كبير، الأيديولوجيات الفكرية العالمية، كالشيوعية والاشتراكية والنازية وغيرها من المنظمات والأفكار المصطنعة، وبقيت القبيلة؛ لأنها ليست من صنع فلاسفة أو منظرين أو أحزاب أو أجهزة مخابرات عالمية، فقد ذكرها الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فاليوم وغدا، وفي المستقبل، ستبقى القبيلة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي تقوم عليها الدول، وعنصرا قويا في امنها الشامل، الاجتماعي والثقافي والجغرافي، ولا سيما في الجزيرة العربية، لأنها تدين بالولاء لله ورسوله ثم ولاة الأمر، بينما ولاء الأحزاب والجماعات والفرق للحزب و الفئة، وليس للأوطان.
ختاما…
يبلغ عدد سكان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكثر من ستين مليون نسمة، وتشكل القبائل نسبة كبيرة من نسيجها الاجتماعي، وترتبط فيما بينها وبين قياداتها بروابط وثيقة دينية واجتماعية وجغرافية وتاريخية، وقد ضحت بالغالي والنفيس من أجل دينها وأوطانها.
وهناك اليوم من يسعى إلى إضعاف هذا المكوّن الأصيل والتقليل من مكانته، متأثرا بأفكار حزبية وافدة، بما يؤدي إلى إضعاف العلاقة المتينة بين القيادة والمجتمع عموما، والمكوّن القبلي على وجه الخصوص. ويكمن في ذلك خطر الحزبية المدعومة من جهات خارجية. الأمر الذي يستدعي قدرا عاليا من الوعي والتنبه، وخاصة عند تبني قرارات وسياسات غير مدروسة تتعلق بتاريخ القبيلة وجغرافيتها واعرافها.
يقول ابن خلدون: “العصبية هي سبب الملك والدولة، فإذا ضعفت أو أضعفت، ضعفت الدول والمجتمعات”.
مسلم بن أحمد العوائد


