محافظة ظفار – ولاية صلالة
بدأت في محافظة ظفار فعاليات مهرجان ظفار الدولي للنحت في دورته الأولى، الذي تنظمه بلدية ظفار ضمن برامج وفعاليات موسم خريف ظفار 2026، خلال الفترة من 15 أغسطس وحتى 3 سبتمبر 2026. يشارك في المهرجان نخبة من الفنانين والنحاتين من سلطنة عُمان وعدد من الدول العربية والأجنبية في تجربة فنية تسعى إلى إثراء المشهد الثقافي والبصري بالمحافظة. ويقام المهرجان أمام مبنى مركز البلدية الترفيهي بأتين؛ ليشاهد الزوار ومحبو الفنون البصرية مراحل عمل الفنانين أثناء أعمال النحت على الرخام، على أن تنقل الأعمال بعد الانتهاء منها إلى عدد من المواقع الرئيسية بمحافظة ظفار.
وتأتي إقامة المهرجان في إطار حرص بلدية ظفار على استقطاب مختلف الفنون التي تثري موسم خريف ظفار، وتقديم إبداعات جديدة تواكب التنوع الثقافي والفني الذي يشهده الموسم؛ حيث يعمل المشاركون على تنفيذ منحوتات مستوحاة من البيئة العمانية والهوية الثقافية لمحافظة ظفار، بما يسهم في تحويل الأعمال الفنية إلى ذاكرة بصرية توثق الموروث والقيم العمانية بأسلوب فني معاصر.
ويشارك في المهرجان 15 فنانًا ونحاتا يمثلون 11 دولة عربية وأجنبية، وهي سلطنة عُمان، والسودان، وألمانيا، وفلسطين، والأردن، ومصر، ولبنان والسعودية، وسويسرا، والمغرب، والإكوادور حيث يقدم المشاركون تجارب ومدارس فنية متنوعة تجمع بين الثقافة والفن، ويتيح المهرجان للجمهور فرصة مشاهدة مراحل تشكيل الأعمال، والتعرف على تقنيات النحت على الرخام وأساليبه المختلفة مباشرة.
وقال الدكتور إبراهيم الخطيب المستشار الفني لمهرجان النحت إن اختيار الأعمال المشاركة جاء وفق رؤية فنية حرصت على ارتباط المنحوتات بهوية محافظة ظفار وطبيعتها وخصوصيتها الثقافية.
وأوضح أن اللجنة المنظمة عقدت اجتماعًا لمناقشة طبيعة الأعمال التي تتناسب مع أجواء خريف ظفار وموروث المحافظة، وقررت أن تكون المنحوتات متسقة مع الهوية؛ إذ كانت شجرة اللبان وما تمثله من رمزية تاريخية وثقافية للمحافظة حاضرة في أفكار عدد من النحاتين، إلى جانب طبيعة الخريف وأشجار النخيل وغيرها من المفردات التي تشكل الهوية البصرية للمحافظة.
وأضاف أنه زار المحافظة عدة مرات من قبل، إلا أن هذه الزيارة هي الأولى له خلال موسم الخريف، مؤكدًا أن التجربة كشفت له حجم التطور العمراني، والفعاليات، والحراك المجتمعي والسياحي الذي تشهده المحافظة خلال هذا الموسم. وقال: “شعرت أن كل أهل ظفار والزائرين يحتفلون بالخريف؛ حيث وجدت الأطفال والنساء والشباب وكبار السن يشاركون في الفعاليات والتجمعات التي تقام في مختلف المواقع، إلى جانب الفرق الفنية والموسيقية القادمة من دول وثقافات متعددة. وهذا يدل على مدى الجهد الذي تبذله بلدية ظفار لنجاح الموسم ؛ فتننوع الفعاليات والثقافات التي تستقطبها في الأماكن العامة ومواقع الفعاليات يمنح الموسم طابعًا خاصا، ويعكس قدرة المحافظة على جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم”.
وأشار إلى أن الفنانين المشاركين في الملتقى زاروا عددًا من المواقع الطبيعية والسياحية، مؤكدًا أن هذه المواقع تشهد إقبالا كبيرا من الزوار من مختلف الدول، مما يعكس أهميتها كوجهات سياحية طبيعية.

واختتم قائلا: “أتقدم بالشكر لبلدية ظفار على الاهتمام بالفنون البصرية وإدخالها ضمن منظومة الفعاليات. فالمسرح والموسيقى والشعر تمثل جوانب مهمة من الثقافة، إلا أن النحت والرسم والخزف وغيرها من الفنون البصرية قادرة على صناعة إرث مادي يبقى للأجيال القادمة؛ حيث إن المنحوتات والأعمال الفنية التي تنفذ في المحافظة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى جزء من الذاكرة البصرية لظفار، وإلى معالم فنية وثقافية يتعرف عليها الزائر ويرتبط بها أبناء المحافظة”.
ومن جانبه، قال الفنان والنحات العُماني سالم المرهون إن مشاركته في المهرجان تأتي بعمل يحمل عنوان “لفظ الجلالة”، مستلهما تجربته من أعمال الخط العربي. وأوضح أن علاقته بالحجر تقوم على التفاعل معه وليس مجرد فرض شكل محدد عليه؛ لأن النحات قد يعتقد في البداية أنه يتحكم بالحجر، إلا أنه مع مراحل العمل يكتشف أن الحجر يقدم رأيه، وقد يساعد الفنان في بعض المراحل على الوصول إلى شكل العمل النهائي.
وأكد أن إقامة ملتقى دولي للنحت في ظفار تمثل تجربة مميزة، خصوصا أن مثل هذه الملتقيات غالبا ما تقام في الأجواء الشتوية، بينما تمنح طبيعة خريف ظفار الملتقى خصوصية مختلفة. كما أن وجود نخبة من النحاتين الدوليين في ظفار يمثل إثراء فنيًا وحراكًا ثقافيًا وسياحيًا مهما للتعرف على المقومات السياحية للمحافظة، مؤكدًا أن النحت من الفنون التي ارتبطت بتاريخ الحضارات، وأن مثل هذه الفعاليات تسهم في تنمية الذائقة البصرية لدى الجمهور.
أما الفنان التشكيلي الفلسطيني جاسم الشومان، فقال: إن مشاركته في المهرجان تمثل زيارته الأولى إلى سلطنة عُمان ومحافظة ظفار، معربًا عن سعادته البالغة بهذه الزيارة التي تتيح له التعرف عن قرب على الثقافة العُمانية والطبيعة النادرة والجميلة للمحافظة. وعن عمله قال: “أشارك بعمل يحمل عنوان (العتبة)، وهو مستوحى من جغرافية ظفار والعلاقة بين البحر والجبل؛ حيث تحاكي التكوينات والتموجات والارتفاعات في المنحوتة طبيعة المكان، وترمز إلى المنطقة الفاصلة والانتقالية، معتبرًا أن ظفار نفسها تمثل عتبة وبوابة للتاريخ وموقعا يلتقي فيه البحر بالجبل، وهو ما أحاول التعبير عنه بصورة رمزية في منحوتتي”.
وأشار الشومان إلى أن مشاركته السابقة في نحو 21 دولة حول العالم منحته خبرات متنوعة، إلا أن مشاركته في ظفار تظل تجربة خاصة لما تحمله المحافظة من طبيعة وثقافة وهوية بصرية غنية تدل على تطور وتميز سعت إليه بلدية ظفار.
من جهته، أعرب الفنان والنحات الألماني مارتن شوسلر عن سعادته بمشاركته في المهرجان، مؤكدًا أنها زيارته الأولى إلى سلطنة عُمان ومحافظة ظفار، وأن انطباعه عن السلطنة كان إيجابيًا منذ الأيام الأولى. وأشاد بكرم الشعب العماني وطيب تعاملهم، مؤكدًا أن التجربة جاءت متوافقة مع ما سمعه مسبقًا عن عُمان وشعبها، وكذلك عما شاهده في محافظة ظفار من مناظر طبيعية خلابة.
وأوضح أن عمله يستند إلى فكرة الحركة والتدفق من خلال الانحناءات والارتفاعات والانخفاضات؛ مبينا أن الكتلة الحجرية النهائية تحمل في تفاصيلها آثار الحركة والحياة، وأن التباين بين الأسطح الخشنة والناعمة يمنح العمل طابعا بصريا خاصا.
وقال الفنان والنحات العُماني يوسف الرواحي، منظم ملتقى الخضراء للنحت بالمضيبي: سعيد بالتواجد في مهرجان النحت بمحافظة ظفار ؛ فإقامته هنا لها أهمية بالغة نظراً لطبيعتها السياحية واستقطابها للزوار من مختلف دول العالم، مما يجعلها بيئة مناسبة لاحتضان الفنون البصرية بمختلف أشكالها، وفي مقدمتها فن النحت”. وأضاف أن مشاركته جاءت بعد تلقي دعوة رسمية من بلدية ظفار التي وجه لها كل الشكر والتقدير على جهودها في التجديد والتطوير وإقامة المهرجان. وأشار إلى أن مشاركة فنانين من دول عربية وأوروبية تتيح تبادل الخبرات والتجارب، مع حرص كل فنان على تطويع أسلوبه بما يتناسب مع الثقافة والهوية العمانية، لافتًا إلى أن الأعمال تتميز بتنوع أفكارها وأساليب تنفيذها.
وأشار إلى أن العمل الذي يشارك به يحمل مجموعة من الرسائل الموجهة إلى المجتمع، موضحًا أنه يستوحي أعماله غالبًا من الأوراق والكتب والصحف إلى جانب العمارة العُمانية، ليحاول المزج بين هذه العناصر في أعماله النحتية. وحقيقة، فإن من أبرز ما يميز المهرجان تضخامة الأعمال المنفذة؛ إذ يصل ارتفاع بعض المنحوتات إلى نحو ثلاثة أمتار ونصف، وهو ما يمنحها حضورًا بصريا لافتًا ويجعلها عنصر جذب للزوار والسياح.
ودعا الجمهور إلى زيارة الملتقى المقام في ميدان أتين، مشيرًا إلى أن الفنانين يواصلون العمل يوميًا من الساعة التاسعة صباحا وحتى السادسة مساءً لاستقبال الزوار والمتذوقين للفن.
وأكد أن مشاهدة عملية النحت مباشرة تمنح الجمهور فرصة لفهم هذا الفن بصورة مختلفة، من خلال التعرف على مراحل تقطيع الرخام ورفعه وتشكيله وتحويل الكتلة الصلبة إلى خطوط وتكوينات انسيابية، مشددًا على أن مثل هذه الملتقيات تسهم في نشر ثقافة النحت وتعزيز حضور هذا الفن في سلطنة عُمان.
ويجمع مهرجان ظفار الدولي للنحت في دورته الأولى تجارب فنية متنوعة من سلطنة عُمان والدول العربية والأجنبية، بما يعزز الحوار بين الثقافات من خلال لغة الفن، ويمنح الجمهور فرصة للتعرف على مدارس وأساليب مختلفة في النحت. كما يمثل المهرجان إضافة نوعية لفعاليات خريف ظفار من خلال نقل الفن من قاعات العرض إلى الفضاء المفتوح، وإتاحة المجال أمام الزوار لمتابعة الفنانين أثناء تنفيذ أعمالهم والتعرف على مراحل تحويل الحجر إلى منحوتات تحمل أفكارًا ورموزًا مستوحاة من المكان.
وتسعى بلدية ظفار من خلال هذه التجربة إلى تعزيز حضور الفنون البصرية ضمن منظومة فعاليات موسم خريف ظفار، بما يترك إرثا فنيًا وثقافيًا مستداما، ويضيف إلى المشهد السياحي والثقافي بالمحافظة معالم وأعمالا فنية تعكس طبيعتها وهويتها وثراءها الحضاري.



