ما وراء المشهد
ماذا يحتاج شبابنا من سيرة النبي ﷺ؟
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
يأتي المولد النبوي الشريف كل عام، فنستعيد سيرة رسول الله ﷺ، ونقرأ في مواقفه وأخلاقه وطريقته في بناء الإنسان والمجتمع. لكن المناسبة يمكن أن تفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز الاحتفال نفسه :
ماذا يحتاج شبابنا اليوم من سيرة النبي ﷺ؟
السؤال مهم؛ لأن الشباب يعيشون اليوم في عالم مختلف في سرعته وأدواته وتحدياته. عالم مفتوح على أفكار وثقافات متعددة، وفرص واسعة، لكنه يحمل أيضًا ضغوطًا كثيرة: قلق المستقبل، وصعوبة الحصول على العمل، وضغط المقارنة، وتأثير وسائل التواصل، والبحث عن القدوة والمعنى والانتماء .
وفي أحيان كثيرة نتعامل مع الشباب باعتبارهم «جيلًا صعبًا» يحتاج إلى الإصلاح المستمر، بينما ربما نحتاج إلى سؤال آخر : هل منحناهم نحن ما يحتاجونه حتى يصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية؟
فحين نعود إلى السيرة النبوية، نجد أن الشباب لم يكونوا على هامش المشروع النبوي بل كانوا جزءًا أساسيًا من بنائه، فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه في سن مبكرة عندما تحمل مسؤوليات كبيرة في بداية الدعوة، وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه شابًا حين أرسله النبي ﷺ إلى يثرب، فحمل مهمة التعليم والدعوة، وأسهم في تهيئة المجتمع للمرحلة التي سبقت الهجرة.
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه من الشباب الذين برزوا في العلم والفقه، ثم أُرسل إلى اليمن في مهمة علمية وقضائية. وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه مثالًا آخر على شاب وجد في بيئته النبوية من يشجعه على التعلم والكتابة واكتساب المهارة .
ثم تأتي قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه : لتكشف معنى آخر للثقة بالشباب؛ إذ تولى قيادة جيش وهو في سن صغيرة، فكانت الرسالة واضحة العمر وحده ليس معيارًا للكفاءة .
وهنا ينبغي أن نفهم المعنى بعيدًا عن المقارنة بين الشباب والكبار
فالسيرة لم تكن تنتصر للشباب على حساب أصحاب الخبرة، ولم تكن تقول إن الكبار لم يعد لهم دور .
بل كانت تقدم مبدأ أكثر عدلًا : ضع الإنسان في المكان الذي تناسبه قدرته واستعداده، ولا تجعل العمر وحده معيار الحكم عليه .
وهذا درس نحتاج إليه اليوم : فنحن نطلب من شبابنا أن يكونوا قادة المستقبل، لكن هل نمنحهم فرصًا حقيقية ليتعلموا القيادة؟ نريد منهم تحمل المسؤولية، لكن هل نعطيهم مسؤوليات فعلية؟ نطالبهم بالاعتماد على أنفسهم، لكن هل نسمح لهم بالمبادرة والتجربة؟ نقول لهم: أنتم مستقبل الوطن، لكن هل نمنحهم مكانًا حقيقيًا في حاضره؟
وهنا تبدو السيرة أكثر قربًا من واقعنا مما نظن : فالتربية ليست مجموعة أوامر ونصائح ، التربية ثقة، وقدوة، ومسؤولية، ومجال للتجربة
والشاب الذي لا يتعلم تحمل المسؤولية في الأسرة، أو المدرسة، أو الجامعة، أو العمل، قد يبحث لاحقًا عن مساحة يثبت فيها ذاته بعيدًا عن الأماكن التي نتمناها له .
لكن الثقة لا تعني ترك الشاب وحده ، فالقدوة جزء أساسي من التربية
والنبي ﷺ لم يكن يمنح المسؤولية ثم ينسحب من التربية؛ بل كان يبني الإنسان، ويعلمه، ويصحح له، ويهيئه للمهمة التي سيقوم بها ، وهذا ما نحتاج إلى استحضاره اليوم.
لا نريد شبابًا يتلقون التعليمات فقط؛ نريد شبابًا يفهمون لماذا يفعلون، ويتعلمون كيف يقررون، ويتحملون نتائج قراراتهم .
ولهذا فإن أهم ما يحتاجه شبابنا من السيرة، في تقديري، ليس مزيدًا من القصص التي نرويها ثم نغلق الكتاب، وإنما تحويل معاني السيرة إلى ثقافة تربية وحياة .
نحتاج أن نعلم أبناءنا أن الكفاءة مسؤولية ، وأن العلم طريق ،وأن العمل قيمة ، وأن اختلاف الرأي لا يعني العداء ، وأن تحمل المسؤولية يبدأ من الأعمال الصغيرة قبل الكبيرة ، وأن الإنسان لا يُقاس فقط بعمره، وإنما بما يستطيع أن يقدم .
كما يحتاج شبابنا إلى أن يروا في السيرة معنى آخر بالغ الأهمية: أن الإنسان يمكن أن يكون صغير السن، لكنه كبير الأثر.
وهذه رسالة يحتاجها الشاب الذي يسمع باستمرار أنه «لم ينضج بعد»، كما يحتاجها المجتمع الذي يؤجل الشباب دائمًا إلى وقت لاحق
ليس المطلوب أن نعطي الشباب كل شيء دفعة واحدة
المطلوب أن نعطيهم فرصًا تتناسب مع قدراتهم، ومساحة للنمو، ومعلمًا يوجههم، ومجتمعًا يؤمن بأن الخطأ في مرحلة التعلم ليس نهاية الطريق.
وهنا يمكن أن يصبح المولد النبوي مناسبة تتجاوز الاحتفال إلى مراجعة بعض ممارساتنا التربوية
هل نربي أبناءنا على المبادرة أم على انتظار الأوامر؟ هل نعلمهم التفكير أم نكتفي بالحفظ؟ هل نمنحهم الثقة أم لا نتذكرهم إلا عندما نحتاج إلى نتائج؟
هل نرى فيهم مشكلة يجب السيطرة عليها، أم طاقة تحتاج إلى توجيه؟
إن الاحتفال بسيرة النبي ﷺ لا يكون باستحضار الماضي فقط، يكون أيضًا في تحويل قيمها إلى سلوك في الحاضر
فإذا كانت السيرة تعلمنا أن الشباب كانوا جزءًا من بناء المجتمع، فعلينا أن نمنح شبابنا اليوم فرصة ليكونوا جزءًا من بناء مجتمعهم ، وإذا كانت تعلمنا أن التربية تقوم على القدوة والثقة والمسؤولية، فعلينا أن نسأل أنفسنا: هل نمارس هذه القيم فعلًا؟
ولذلك فإن شبابنا اليوم لا يحتاجون فقط إلى أن نقول لهم: أنتم المستقبل ، ربما يحتاجون إلى عبارة أكثر صدقًا وهي : أنتم جزء من الحاضر، وسنعطيكم فرصة لتتعلموا فيه، وتخدموا فيه، وتخطئوا فيه، وتنجحوا فيه، وتتركوا أثرًا فيه
وهنا ربما يكون المولد النبوي فرصة لنراجع علاقتنا بالشباب، لا لنطلب منهم فقط أن يتغيروا ، فالشباب الذين تثق بهم المجتمعات، وتربيهم، وتمنحهم المسؤولية، يمكن أن يصبحوا من أهم عناصر بناء مستقبلها .
وهذا، في رأيي، واحد من أجمل ما يمكن أن نتعلمه اليوم من السيرة النبوية .


