هل أصبحنا نعيش لنُظهر حياتنا… أم لنعيشها؟

نشرت :

معمر بن عوفيت الشحري ***

في الماضي، كان الإنسان يعيش حياته ثم يحكي عنها. أما اليوم، فقد أصبح في كثير من الأحيان يعيش اللحظة وهو يفكر في كيفية تصويرها ونشرها.

نذهب إلى المطعم، فنفكر في الصورة قبل أن نفكر في الطعم. نسافر، فنبحث عن اللقطة قبل أن نبحث عن الذكرى. نجتمع مع الأصدقاء، لكن بعضنا ينشغل بتوثيق الاجتماع أكثر من الاستمتاع به. حتى المناسبات العائلية التي كانت تجمع القلوب، أصبح الهاتف حاضرًا فيها وكأنه فرد من أفراد الأسرة.

لكن دعونا نطرح سؤالًا أبعد:

ماذا لو لم يكن هناك إنترنت؟

كيف كنا سنقضي ساعات يومنا؟

ربما كنا سنقرأ أكثر، ونجلس مع أهلنا أكثر، ونزور أقاربنا، ونمارس هواياتنا، ونتعلم مهارات جديدة، ونخصص وقتًا للقرآن والتدبر، ونقدم ما نستطيع من علم ومعرفة للآخرين.

المشكلة إذن ليست في وجود الإنترنت، ولا في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فهذه الوسائل أصبحت من أهم أدوات المعرفة والتواصل والتعليم في عصرنا. وإنما المشكلة في كيف نستخدم الوقت الذي منحته لنا هذه الأدوات.

فالإنترنت يمكن أن يكون مكتبة مفتوحة أمامك، ويمكن أن يكون في الوقت نفسه بابًا واسعًا لاستنزاف الساعات دون أن نشعر.

يمكنك أن تفتح هاتفك لتتعلم لغة، فتجد نفسك بعد ساعة تتنقل بين المقاطع.

يمكنك أن تبحث عن معلومة علمية، فتجد نفسك تتابع أخبار الآخرين.

يمكنك أن تدخل إلى منصة تعليمية، فتخرج منها دون أن تتعلم شيئًا.

وهنا لا يعود السؤال: كم ساعة نقضي على الإنترنت؟

بل يصبح السؤال الأهم:

ماذا أنجزنا خلال هذه الساعات؟

فلو خصص الإنسان جزءًا يسيرًا من وقته يوميًا لقراءة القرآن، وجزءًا للمطالعة، وجزءًا لتطوير مهاراته، وجزءًا لتعليم الآخرين أو تقديم خدمة معرفية نافعة، لتغيرت حياته مع مرور الأيام.

تخيل أن شخصًا يقرأ عشر صفحات يوميًا؛ قد تبدو قليلة، لكنها في نهاية العام تعني آلاف الصفحات.

وتخيل معلّمًا أو متخصصًا يخصص ساعة أسبوعيًا لتقديم محتوى تعليمي مجاني ينتفع به الناس؛ كم من طالب قد يستفيد؟ وكم من معلومة قد تغير حياة إنسان؟

وتخيل شابًا يستبدل ساعة من التصفح العشوائي بساعة في كتاب نافع.

بعد سنة، لن يكون هو الشخص نفسه.

إن المشكلة التي نواجهها اليوم ليست ندرة المعلومات، بل وفرة المعلومات وقلة الانتفاع بها.

لدينا مكتبات في أيدينا، ومحاضرات ودورات وموسوعات ومصادر تعليمية لم تكن متاحة للأجيال السابقة بهذه السهولة، ومع ذلك قد نشتكي من ضيق الوقت.

فهل ضاع الوقت فعلًا؟

أم أننا أعطيناه لمن لا يستحق؟

ربما نحتاج إلى وقفة صادقة مع أنفسنا، نسأل فيها:

لو انقطع الإنترنت أسبوعًا كاملًا، ماذا سأفعل؟

هل سأشعر بالفراغ؟

أم سأكتشف أن لدي أشياء كثيرة مؤجلة؟

كتاب لم أقرأه، وقرآن لم أخصص له وقتًا كافيًا، وأبناء يحتاجون إلى حديث، ووالدان يحتاجان إلى جلسة، وصديق لم أسأل عنه، ومهارة أريد تعلمها، وفكرة أريد كتابتها، وعلم أستطيع أن أقدمه للآخرين.

صحيح أنه كما يقال ان لكل شئ له سلاح ذو حدين، خصوصا إن استخدمناه بطريقة نافعة؛ ليس المطلوب أن نهجر الإنترنت، ولا أن نعيش بعيدًا عن العصر.

بل المطلوب أن نستعيد قيادة وقتنا.

أن نجعل التقنية وسيلة لا غاية، وأن يكون الهاتف في أيدينا، لا أن تكون أوقاتنا في يده.

فمن الجميل أن تنشر صورة، والأجمل أن تصنع ذكرى.

ومن الجميل أن تتابع الآخرين، والأجمل أن تضيف شيئًا يستفيد منه الآخرون.

ومن الجميل أن تجمع آلاف المشاهدات، والأجمل أن تترك أثرًا في حياة إنسان.

ومن الجميل أن تعرف ماذا يحدث في العالم، والأجمل أن تعرف ماذا يحدث في نفسك.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي:

هل الإنترنت أخذ وقتنا؟

بل:

ماذا فعلنا نحن بالوقت الذي أعطانا الله إياه؟

فالعمر لا يعود، والساعة التي تمضي في التصفح بلا هدف لا يمكن استعادتها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله أن نخصص لأنفسنا كل يوم وقتًا ثابتًا لثلاثة أشياء: قرآنٌ يزكي القلب، وكتابٌ ينمي العقل، وعملٌ ينفع الناس.

فإذا جمع الإنسان بين صلاح قلبه، وتنمية عقله، وخدمة مجتمعه، فقد جعل من وقته أثرًا يتجاوز عمره.

والسؤال لكم: لو اختفى الإنترنت غدًا لمدة شهر كامل، ما أول شيء ستفعله بوقتك؟

***كاتبٌ عماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية،
ماجستير في الإدارة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img