هل دوّن التونسي تاريخ دارفور… أم ترك معرفة يمكن أن تُستخدم لأغراض أخرى؟

نشرت :

ما وراء المشهد

هل دوّن التونسي تاريخ دارفور… أم ترك معرفة يمكن أن تُستخدم لأغراض أخرى؟

د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب

هل يمكن أن يكون الكتاب التاريخي أكثر من مجرد كتاب؟
قد يبدو السؤال غريبًا، لكن بعض الكتب تتجاوز وظيفتها الأولى؛ فالرحالة قد يدوّن ما شاهده بدافع المعرفة أو حفظ الذاكرة، ثم تصبح معلوماته، بعد سنوات، ذات قيمة لدى الباحثين أو الدول أو المؤسسات التي تبحث عن فهم المكان والناس والموارد وموازين القوة .

من هنا أعود إلى كتاب : ” تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان”  لمحمد بن عمر التونسي، الذي تعرفت إليه لأول مرة عام 2007، أثناء إعدادي بحثًا أكاديميًا بعنوان  ” التنوع القبلي وأثره في الاندماج القومي في دارفور “

كنت أبحث يومها عن مفاتيح لفهم المجتمع الدارفوري وتنوعه، فوجدت أمامي كتابًا لا يقدم سردًا سياسيًا فحسب، بل يفتح نافذة واسعة على القبائل والعادات ونظم الحكم والتجارة والجغرافيا والحياة اليومية .

لكنني، بعد سنوات، عدت إلى الكتاب بسؤال مختلف :

ماذا يحدث للمعرفة التي يجمعها المؤلف عندما تنتقل من يده إلى أيدي آخرين؟

وصل التونسي إلى دارفور في مطلع القرن التاسع عشر، وهو في الرابعة عشرة من عمره، وكان دافعه الأساسي البحث عن والده الذي سبقه إلى المنطقة ، ثم أقام في دارفور سنوات طويلة، وانتقل

 بعد ذلك إلى وداي، وأتاح له ارتباطه بالمجتمع وصلاته الأسرية والعلمية والتجارية أن يقترب من الحياة السياسية والاجتماعية بصورة نادرة.

وهنا المفارقة : رجل ذهب إلى دارفور بحثًا عن والده، انتهى به الأمر إلى أن يترك واحدًا من أهم المصادر العربية عن المنطقة في تلك الفترة .

ولم تقتصر قيمة الكتاب على أخبار الحكام والسياسة؛ فقد تناول الجغرافيا، والقبائل، والتجارة، والعملات، والعادات، والطعام، والزواج، والحيوانات والنباتات، وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية، فضلًا عن الرسوم التي أضافت إلى قيمته التوثيقية .

ثم دخل الكتاب مرحلة أخرى من تاريخه .

فقد التقى التونسي في مصر بالطبيب والمستشرق الفرنسي ” نيكولا بيرون “، وعلّمه العربية، وشجعه على تدوين مشاهداته. وأسهم بيرون لاحقًا في إخراج المادة المتعلقة بدارفور إلى الفرنسية، قبل أن يظهر النص العربي في باريس عام 1850، ثم نُشرت مادة رحلته إلى وداي بالفرنسية أيضًا .

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة : لماذا حظيت هذه المعرفة بهذا الاهتمام؟

فالكتاب يقدم معلومات واسعة عن السكان والقبائل والسلطة والتجارة والطرق والأوضاع السياسية والعسكرية. وهي، بطبيعتها، معرفة يمكن أن تكون ذات قيمة للباحث، كما يمكن أن تكون ذات قيمة لأي قوة خارجية تريد أن تعرف المنطقة .

لكن هل يعني ذلك أن التونسي كان يكتب تقريرًا استخباراتيًا؟

هنا يجب أن نتوقف :

لا أرى من المنهج العلمي أن نصف التونسي بالجاسوس، أو نجزم بأنه كتب بتكليف استخباراتي، من دون دليل مباشر يثبت ذلك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى قراءة الكتاب من زاوية العلاقة بين المعرفة والسلطة، وهي زاوية تستحق النقاش، لكنها لا تعني بالضرورة إثبات نية استخباراتية للمؤلف .

والسؤال الأهم، في رأيي، مختلف :

هل نبحث فقط عن نية المؤلف، أم نبحث أيضًا في الوظيفة التي يمكن أن تؤديها المعرفة بعد خروجها من يد صاحبها؟

قد يكتب الإنسان بدافع الفضول أو التوثيق أو حفظ الذاكرة، ثم تصبح معلوماته، في سياق آخر، ذات أهمية سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية .

وهنا تكمن أهمية ” تشحيذ الأذهان “

فالكتاب شهادة عربية نادرة عن مجتمع إفريقي مسلم في مرحلة سبقت الاستعمار الغربي المباشر للمنطقة. لكن ذلك لا يسمح لنا بالقول إن الكتاب كان سببًا في استعمار وداي أو تشاد أو دارفور، أو أنه أُعد خصيصًا لتمهيد الطريق للاستعمار ، هذه نتيجة أكبر من الأدلة المتاحة .

والأدق أن نقول : إن التونسي ترك رصيدًا معرفيًا غنيًا عن منطقة كانت القوى الخارجية تسعى إلى معرفتها، وأن قيمة هذه المعرفة لم تكن بالضرورة مرتبطة بالنية الأصلية لمؤلفها .

وهذه نقطة مهمة للمؤرخ : فالتاريخ لا يسأل فقط: ماذا أراد صاحب الوثيقة أن يقول؟ بل يسأل أيضًا: من قرأها؟ وكيف قرأها؟ وفي أي سياق؟ وماذا أصبح يمكن أن يفعل بهذه المعرفة؟

وبعد نحو تسعة عشر عامًا من قراءتي الأولى للكتاب، أصبحت أراه من زاوية أوسع : المعرفة ليست مجرد معلومات؛ إنها قوة محتملة، بحسب من يمتلكها وكيف يستخدمها .

وهنا ينتقل السؤال من التونسي إلى نحن : هل نكتفي بأن نقرأ ما كتبه الآخرون عن السودان ودارفور ووداي، أم نمتلك نحن أيضًا مشروعًا جادًا لكتابة تاريخنا؟.

نحن بحاجة إلى توثيق الروايات الشفوية، ودراسة المجتمعات، وحفظ الذاكرة، وقراءة التنوع السوداني بعيدًا عن الصور النمطية التي تصنعها الصراعات .

فحين يكتب الآخر عنا، يقدم رؤيته لنا، مهما بلغت قيمة عمله

أما حين نكتب نحن تاريخنا، فالمسؤولية أكبر: أن نكون أمناء على الوقائع، وأن نحترم تنوع المجتمع، وأن نفرق بين التاريخ كما حدث، والتاريخ كما نريد أن نراه .

وربما لهذا السبب أعود إلى «تشحيذ الأذهان» اليوم لا لأحاكم صاحبه، ولا لأبحث عن مؤامرة في كل وثيقة، وإنما لأطرح سؤالًا أكبر: إذا كان الآخر قد قرأ تاريخنا ليعرفنا، فهل نقرأ نحن تاريخنا بالقدر الكافي لنعرف أنفسنا؟

فالتاريخ ليس مجرد أحداث مضت، وإنما وثائق وروايات وذاكرة ومصالح وقراءات متباينة. وما نحتاجه اليوم ليس أن نعيد سرد تاريخ السودان فحسب، بل أن نعيد النظر في بعض محطاته، وأن نسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وما الذي تركه في الدولة والمجتمع؟ .

وربما يكون هذا هو المدخل الذي سأحاول من خلاله، في مقالات قادمة، أن أقرأ بعض محطات تاريخ السودان؛ لا بحثًا عن متهم، ولا دفاعًا عن طرف، وإنما محاولة لفهم ما وراء المشهد.

فهل نعرف تاريخنا كما حدث، أم كما تعودنا أن نرويه؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img