المعنى الحقيقي للإنسانية
ليس الإنسانُ من أحسنَ الكلام عن الإنسانية، ولا من أكثرَ الناس حديثًا عن الرحمة والتسامح؛ إنما الإنسانُ حقًّا هو الذي إذا قدرَ عفا، وإذا اختلفَ أنصف، وإذا غضبَ لم يظلم، وإذا استطاعَ أن يؤذيَ اختارَ أن يرحم.
فالإنسانية ليست شعارًا يُرفع، ولا مظهرًا اجتماعيًا يُتزيَّن به، ولا كلماتٍ رقيقة تُقال في المناسبات؛ إنها سلوكٌ خفيّ، وضميرٌ حيّ، ومروءةٌ تظهر حين لا يكون هناك رقيبٌ إلا الله، ولا مكافأةٌ إلا راحة الضمير.
الإنسان قبل كل شيء
من أعمق الأسئلة الفلسفية التي رافقت الإنسان منذ فجر الفكر:
ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟
أهو العقل؟
أم القدرة على الكلام؟
أم القوة والسلطة؟
أم العلم والثروة والمكانة؟
كل ذلك قد يرفع قدر الإنسان في أعين الناس، لكنه لا يصنع إنسانيته بالضرورة.
إنما جوهر الإنسانية يظهر في طريقة تعامل الإنسان مع من لا يملك أن ينفعه.
فحين تحسن إلى ضعيف لا يستطيع ردّ الجميل، وتستر عثرة من أخطأ في حقك، وتمنح من يحتاج دون أن تُشعره بالدونية، وتنصف من تختلف معه، وتقول كلمة الحق ولو لم تكن في مصلحتك؛ هناك تحديدًا تتجلى إنسانيتك.
فالإنسانية الحقيقية لا تُقاس بما نفعله أمام الأقوياء، بل بما نفعله تجاه الضعفاء.
أدب الإنسانية
للإنسانية آدابٌ رفيعة، لعل أولها ألا تجعل كرامة الإنسان ثمنًا لانتصارك عليه.
قد تنتصر في نقاش، ولكن لا تُهين خصمك.
وقد تملك القدرة على الرد، ولكن تختار الصمت.
وقد تعرف سرًّا يضعف إنسانًا، ولكن تصون ستره.
وقد تكون على حق، ولكن تعرض حقك بأدب.
وهنا تبلغ الأخلاق مقامًا أرفع من مجرد الالتزام بالقواعد؛ لأن الأخلاق في أرقى صورها ليست أن تعرف ما يجوز وما لا يجوز فحسب، بل أن تسأل نفسك:
هل ما أفعله يليق بإنسانٍ كرّمه الله؟
ومن أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا المعنى:
إن القدرة على الأذى مع اختيار عدم الأذى من أرقى مراتب الأخلاق.
فالضعف قد يمنع الإنسان من الظلم، أما القوة التي يمنع صاحبها نفسه من الظلم، فهي فضيلة.
الرحمة ليست ضعفًا
من الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى الرحمة باعتبارها ضعفًا، وإلى اللين باعتباره عجزًا.
والحقيقة أن الرحمة تحتاج إلى قلب قوي.
فالانتقام سهل حين يكون الغضب حاضرًا، أما العفو فيحتاج إلى نفسٍ واسعة.
والقسوة قد تكون لحظة انفعال، أما الرحمة فهي قرارٌ أخلاقي.
وقد لخّص القرآن الكريم مقام الرحمة في قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
وهنا تبلغ الإنسانية ذروة عظيمة:
أن يبقى العدل قائمًا حتى حين يسقط الود.
أن تختلف معي، فلا أسقط إنسانيتك من عيني.
أن تخالفني، فلا أسقط حقك في الاحترام.
أن تخطئ، فلا أختصر وجودك كله في خطئك.
من الفلسفة إلى الحياة
قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، في صياغة شهيرة من أخلاقياته، إن الإنسان ينبغي أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا مجرد وسيلة.
وهذه قاعدة فلسفية عظيمة في فهم الإنسانية.
فلا تجعل الإنسان وسيلة لمصلحتك، ولا تستعمل صداقته للوصول إلى غايتك، ولا تستغل حاجته، ولا تستثمر ضعفه، ولا تحوّل ثقته بك إلى سلعة.
وفي الفلسفة الإنسانية الحديثة، تتكرر الفكرة نفسها بصور مختلفة: قيمة الإنسان لا تأتي فقط من إنتاجه أو مكانته أو قدرته على المنفعة، بل من كرامته الإنسانية ذاتها.
ولهذا فإن المجتمعات الراقية لا تُقاس فقط بحجم أبراجها وثرواتها، وإنما بمقدار ما تحفظه من كرامة الإنسان.
الإنسانية في أبسط التفاصيل
قد يتصور البعض أن الإنسانية تحتاج إلى أعمال عظيمة.
لكنها غالبًا تبدأ بأشياء صغيرة جدًا:
أن تبتسم في وجه عاملٍ أنهكه التعب.
أن تسمع كبيرًا في السن دون استعجال.
أن ترفق بطفلٍ أخطأ.
أن لا تسخر من فقير.
أن لا تفضح من وثق بك.
أن تحفظ غيبة من غاب.
أن تعتذر عندما تخطئ.
أن تشكر من أحسن.
أن تترفق بمن لا يحسن التعبير عن ألمه.
أن تقول للمكسور: أنا أفهمك، بدل أن تقول له: كان عليك أن تكون أقوى.
فبعض الناس لا يحتاجون منا حلولًا بقدر ما يحتاجون إلى قلبٍ لا يزيد وجعهم.
الإنسانية عند الاختلاف
من السهل أن تكون إنسانًا مع من يحبك.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ مع من يختلف معك.
هناك تظهر أخلاقك الحقيقية:
هل تستطيع أن تسمع دون أن تُهين؟
هل تستطيع أن ترفض الفكرة دون أن تحتقر صاحبها؟
هل تستطيع أن تقول: «أختلف معك» دون أن تقول: «أنت لا تستحق الاحترام»؟
إن الحضارة الحقيقية ليست في أن نجعل الناس نسخًا متشابهة، وإنما في أن نتعلم كيف نعيش مختلفين دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية.
والعاقل لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين حتى يثبت أنه على حق.
ومن أجمل أدبيات الإنسانية: الستر
من أرقى الأخلاق أن تعرف شيئًا يمكن أن يفضح إنسانًا، ثم تختار ستره.
فالستر ليس تبريرًا للخطأ، ولا حمايةً للفساد، ولكنه رحمةٌ بالإنسان من أن يتحول خطؤه إلى هوية أبدية تلاحقه.
كم من إنسان أخطأ ثم أصلحه الزمن.
وكم من عاثرٍ نهض.
وكم من مذنبٍ أصبح بعد توبته خيرًا من كثير ممن كانوا يعيّرونه بماضيه.
لذلك لا تجعل من ماضي إنسانٍ سجنًا أبديًا له.
فالناس يتغيرون، والقلوب تتبدل، والإنسان أكبر من أسوأ لحظة عاشها.
الإنسانية والشعر
وقد عبّر الشعر العربي عن هذه المعاني بأجمل الصور، ومن أصدق ما يُستشهد به قول المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
فالإنسانية ليست وفرة المشاعر وحدها، بل تحتاج إلى عقلٍ يهذبها، وضميرٍ يوجهها.
وقال أبو الطيب أيضًا:
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ
وإن كثرت في عين من لا يجرّبُ
وفي هذا المعنى إشارة إلى أن القيمة ليست في كثرة العلاقات، وإنما في صدقها ووفائها.
أما أبو العتاهية فقال:
ألا إنما التقوى هي العز والكرم
وكأن الأدب العربي القديم كان يردّد، بصور مختلفة، أن قيمة الإنسان لا تُستمد من مظهره، بل من جوهره وأثره في الناس.
أن تكون إنسانًا حين لا يراك أحد
ربما يكون أجمل تعريف للإنسانية:
أن تكون الشخص نفسه في الظلام الذي أنت عليه في النور.
أن يكون لك وجهٌ واحد.
لا تحتاج إلى جمهور كي تكون كريمًا، ولا إلى تصفيق كي تكون نبيلًا، ولا إلى سلطة كي تكون عادلًا.
أن تساعد ولا تُعلن.
أن تعفو ولا تمنّ.
أن تعطي ولا تُذل.
أن تحب الخير للناس دون أن تنتظر أن يعرفوا أنك كنت سببًا فيه.
هنا تتحول الأخلاق من سلوك اجتماعي إلى صفة في الروح.
الإنسان الحقيقي
الإنسان الحقيقي ليس معصومًا من الخطأ.
وهذه نقطة جوهرية.
فالإنسانية لا تعني الكمال، وإنما تعني القدرة على مراجعة النفس.
أن تقول: أخطأت.
أن تعتذر.
أن تتعلم.
أن تصلح ما أفسدت.
أن لا يقتل الغرور فيك فضيلة الاعتراف.
ومن علامات نضج الإنسان أنه لا يرى الاعتذار انتقاصًا من مقامه، بل يرى فيه انتصارًا على كبريائه.
خاتمة: ما الذي يبقى منك؟
في نهاية الطريق، قد ينسى الناس كم كنت غنيًا، وما الذي كنت تملك، وكم منصبًا شغلت، وكم انتصارًا حققت.
لكنهم نادرًا ما ينسون:
من وقف معهم حين انصرف الآخرون.
من سترهم حين كان كشفهم أسهل.
من حفظ كرامتهم وهم في أضعف حالاتهم.
من قال لهم كلمة طيبة في يومٍ ثقيل.
من أعطاهم الأمل حين أوشكوا على فقدانه.
ومن كان إنسانًا معهم حين كان يستطيع أن يكون شيئًا آخر.
ذلك هو الإرث الحقيقي للإنسان.
أن تمر في حياة الناس فلا تترك وراءك خوفًا ولا إذلالًا ولا جرحًا متعمدًا؛ بل تترك أثرًا يشبه الطمأنينة.
فالإنسانية في أسمى معانيها ليست أن تكون عظيمًا في أعين الناس، بل أن تكون رحيمًا في قلوبهم، عادلًا في مواقفك، نقيًّا في نيتك، كريمًا في قدرتك، ومتواضعًا حين تبلغ ما تريد.
وربما كان أجمل تعريف للإنسان:
أن يملك من القوة ما يكفي ليقسو، ثم يختار الرحمة؛
ومن الحق ما يكفي لينتصر، ثم يختار العفو؛
ومن المكانة ما يسمح له بالتعالي، ثم يختار التواضع؛
ومن العلم ما يجعله يرى جهله؛
ومن القلب ما يجعله يشعر بآلام الآخرين كأنها بعض ألمه.
فإذا بلغ الإنسان هذه المنزلة، لم يعد مجرد كائنٍ يعيش بين الناس…
بل أصبح إنسانًا حقًّا.
الشيخ حاتم الكثيري


