عبدالله رمضان بيت مجزح
خبير الرعاية الاجتماعية
بلا شك إن نعمة الأمن والاستقرار هي من أعظم النعم؛ فأن تكون آمنًا ومستقرًا في بيتك ومجتمعك فهي نعمة لا تُقدّر بثمن.
فهل يمكن تحقيق معادلة الاستقرار في ظل المعاناة؟
شخصيًّا، قد أكون من المتشائمين نوعًا ما أو ممن لديهم شكوك؛ ولذا أسأل المتفائلين: هل يمكن تحقيقها؟ وكيف؟
أعتقد أن هذه معضلةٌ في ظل وجود شرائح واسعة في المجتمع تعاني ماليًّا، مع ما لهذا الواقع من انعكاسات على حياتهم الاجتماعية؛ فالمتقاعد يعاني، والموظف يعاني، والباحث عن عمل يعاني، والأسرة تعاني، والقاسم المشترك في هذه المعاناة هو الجانب المادي.
لذا، فإن تعزيز المنافع الاجتماعية، والرواتب للموظفين، والمعاشات للمتقاعدين يُعدّ ضرورة حتمية وليست رفاهية؛ لمواجهة موجة الغلاء وارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية، فكل شيء من حولنا يتغير بسرعة إلا المخصصات المالية فهي ثابتة، ولذلك تزداد الأمور تعقيدًا.
فالظروف المادية الصعبة تجعلنا في دوامة من الشك في معتقداتنا وثوابتنا، ولا نريد أن نصل إلى المرحلة التي نغيّر فيها قناعاتنا المبنية على الإيمان المطلق والثقة بمؤسساتنا الحكومية وشفافيتها وموضوعيتها كما عهدناها في نقل الأحداث.
وهنا سوف نستعرض بعض القضايا الاجتماعية التي من شأن معالجتها المساهمة في خلق حالة من الاستقرار الأسري للمتقاعد والموظف والباحث عن عمل على حد سواء:
فالمتقاعد يفقد جزءًا من مخصصاته المالية، وهذا أمر طبيعي، وبالتالي فهو بحاجة ماسة لأي دخل يدعمه لتعويض هذا الفاقد. وقد استبشر المواطن خيرًا بمنفعة كبار السن لأنها كانت تساهم في تعويض جزء مهم من الفارق الكبير عن راتبه أثناء الخدمة، ولكن بعد فترة قصيرة ظهر التعديل على شروط الاستحقاق، وكأن المعاناة مكتوبة على الجبين، ولم تشفع له خدمته الطويلة ليعيش ما تبقى من العمر دون ضغوط.
لك أن تتخيل شعور المرارة والإحساس بعدم التقدير من خلال رسالة نصية رسمية تصل كل شهر بإيداع مبلغ ٥ أو ١٠ ريالات في الحساب كمنفعة لكبير سنٍّ أفنى عمره في الخدمة!
فالسؤال هنا: هل هذا المبلغ مكافأة أم عقوبة نظير ما قدمه للوطن؟
مع احترامي للجميع، أرى أن في هذا الأمر تقليلًا من شأن هذا الموظف ومسيرته المهنية، وبالتالي فإن عدم منحها أو حجبها أكرم لتاريخه.
فالموضوع بسيط ولا يحتاج إلى فلسفة، وبشكل مباشر: هل يستحق أم لا؟ فإن كان يستحق، فهذه المبالغ المعتمدة فيها إجحاف بحق كل من خدم الدولة بجهده وعرقه.
فرأيي الشخصي أن يكون التدرج للاستحقاق معقولًا ومقبولًا، وأن يُفرّق بين موظف يعتمد في معيشته على المعاش فقط، وآخر يعتمد على دخل آخر إلى جانب المعاش.
فسقف المنفعة المعتمد معايير اعتماده غير واضحة، وللأمانة فقد ألحق الضرر بكثير من الشرائح في المجتمع.
كذلك الموظف ينتظر ١٠ سنوات من عمره للحصول على ترقية (درجة مالية) إضافة إلى العلاوات الدورية على أمل أن تساهم في تحسين وضعه المعيشي بعد التقاعد، ليتفاجأ بأن هذه الفروقات لا تدخل في معادلة المعاش التقاعدي بعد عام ٢٠٢٣م، فما الجدوى من الترقية والعلاوات طالما أنها لن تفيد صاحبها بعد تقاعده؟ وأين تذهب مساهماته؟
كذلك هناك موظف يُمنح وموظف يُكافأ عند نهاية الخدمة، والفرق واضح بين المصطلحين من حيث التعريف والقيمة.
كذلك ملف الباحثين عن عمل من أصعب الملفات وأعقدها، لذا لا بد أن يكون التخطيط بمستوى أهمية هذا الملف الذي يُعدّ بمثابة قنبلة موقوتة؛ لأنه يرتبط بالشباب الذين يشكلون قوة المجتمع والعمود الفقري للدولة. والمخرجات تتراكم عامًا بعد عام، والإجراءات والتدابير المتخذة لا تتناسب مع زيادة المخرجات بمختلف المؤهلات، وبالتالي فإن وضع اشتراطات صعبة كالخبرة والتسقيف من شأنه أن يؤدي إلى نتائج سلبية تؤثر على هذه الفئة، مما قد يجعلها عرضة للسلوكيات السلبية، وطبعًا ما أكثر المتربصين بشبابنا استغلالًا لحاجتهم.
نحن على يقين أن إعادة النظر في هذه القرارات المتخذة أعلاه، ودراستها برؤية ومنطقية، اتخاذ القرارات التي تتوافق مع الظروف المعيشية الصعبة التي تواجهنا؛ سوف يساعد في خلق أرضية خصبة تدعم الاستقرار الاجتماعي.
في الختام، بلا شك إن الاستقرار الأسري يحتاج إلى توفر بيئة وظروف مناسبة تدعم تحقيقه، وهذه البيئة الملائمة هي الاستقرار المادي؛ فكلما كانت الظروف المعيشية أفضل قلت المعاناة الاجتماعية وتحقق الاستقرار الأسري الذي يؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي، وبالتالي يسود الأمن والأمان في المجتمع، وهذا ينعكس إيجابًا على انخفاض معدلات الانحراف الاجتماعي التي بدأت في الارتفاع نتيجة المعاناة المادية.
حفظ الله عُمان وأدام علينا الأمان، وحفظ مولانا السلطان، ودمتم سالمين.


