في حوار خاص لـ«صحيفة اليوم العُمانية» لمخرج حفلي الافتتاح و ختام مهرجان ظفار السينمائي الدولي بدورته الثانية

تحولات مسيرته الإبداعية من الخشبة المدرسية إلى الشاشة والسينما
صلالة اليوم – عادل بن رمضان مستهيل
تقف التجربة الإبداعية للمخرج والمنتج العُماني غازي المنهالي عند تخوم التكامل الفني؛ إذ تجمع بين الرؤية الإخراجية المسرحية والسينمائية، والإدارة الإنتاجية، والحس الموسيقي المتخصص في صناعة “الهوية السمعية”. وهي تجربة عصامية تأسست قواعدها الأولى على خشبة المسرح المدرسي بصلالة، وتنامت عبر عقود من الممارسة الميدانية والاحتكاك بقامات الفن العُماني، وصولًا إلى قيادة وإخراج كبرى الفعاليات والمهرجانات السينمائية والثقافية داخل سلطنة عُمان وخارجها.
في هذا الحوار التخصصي لـ «اليوم»، يستعرض المنهالي محطات تشكيله الفني، وينقلنا إلى كواليس تجاربه الإخراجية، مستحضرًا فلسفته في التعامل مع العروض الحية (Live)، ورؤيته لتوظيف الموروث الثقافي العُماني بأسلوب عصري يوازن بين أصالة الهوية وحداثة التقديم.
■ لنبدأ من المحطة التأسيسية الأولى.. كيف شكلت خشبة المسرح المدرسي في صلالة وعيك الإخراجي والفني المبكر؟
بدأت علاقتي بالمسرح والتمثيل في مرحلة مبكرة جدًا من دراستي الابتدائية بمدرسة صلالة الشرقية، وتحديدًا في الصف السادس، حيث كانت تلك المرحلة هي نقطة الانطلاق والوعي الأولي بمفهوم الخشبة والمواجهة مع الجمهور. لم يتوقف شغفي حينها عند حدود التمثيل، بل امتد ليشمل المشاركة التنظيمية والإعداد للأوبريتات المدرسية بالتكامل مع جماعات الموسيقى والفنون التشكيلية والأنشطة الثقافية.
وخلال تسعينيات القرن الماضي في مرحلتي الإعدادية والثانوية، توليت رئاسة عدد من الجماعات المدرسية، وحققنا معًا مراكز متقدمة على مستوى سلطنة عُمان في المسابقات المسرحية المدرسية، كانت معظمهما بالمركزين الأول والثاني. وتلك الفترة لم تكن مجرد نشاط طلابي، بل كانت مدرسة حقيقية في الفن والإدارة المسرحية والإخراج، حيث أتيح لي التعلم المباشر من أساتذة ومخرجين كبار أثروا تجربتي، في مقدمتهم المخرجون: محمد باشعيب، وهلال العريمي، وصلاح عبيد.
كنا نطرح الأفكار، ونطور السيناريوهات، ونجمع الشباب للتدريب، وصولًا إلى الإخراج. وكانت البروفات تُقام في مدرسة صلالة الشرقية ومقر جمعية المرأة العُمانية بصلالة بدعم كريم من الأستاذة نور الغساني رئيسة الجمعية آنذاك، إلى جانب مشاركاتنا في عروض «أصدقاء البلدية» و«مسرح البحيرة» بمهرجان خريف ظفار. وتتويجًا لهذه الخبرة، تم اختياري لاحقًا من قِبل وزارة التربية والتعليم لعضوية لجنة تحكيم المسابقات المسرحية المدرسية، وهو ما مثّل دفعة معنوية وثقة مبكرة في إمكاناتي.
■ شهدت مسيرتك فترة توقف بعد عام 2006 متبوعة بعودة قوية عام 2019.. ما الذي تغير في أدواتك بين المرحلتين؟
التوقف عن الممارسة الإخراجية والتمثيلية لم يكن انقطاعًا عن الشغف أو المتابعة؛ فالصنيع الفني يستمر في التخمر داخل مخيلة الفنان. وعندما عدتُ عام 2019، جاءت العودة بدافعة وتشجيع معنوي من صديقي المخرج شامس نصيب، الذي أتاح لي فرصة المشاركة في إدارة وتنظيم عدد من الأعمال المسرحية، مما أسهم في استعادة ثقتي بخبراتي الميدانية السابقة وإعادة اكتشاف قدراتي الإخراجية.
وكانت الانطلاقة الجديدة عبر إخراج فيديو كليب غنائي للشاعر يعرب عبد الحميد، لتتوالى بعد ذلك الأعمال؛ حيث توليت إدارة الكنترول الفني للإضاءة والصوتيات في مسرحية «عيال الرزة»، ثم أخرجت مسرحية «راعي سمحة» من تأليف شامس نصيب النوبي.
تلى ذلك التوسع نحو العمل الوطني والثقافي الموسع، من خلال إخراج أوبريت لأميرة الشعراء عائشة السيفية بالتعاون مع «صالون مجان»، وأوبريت يوم الشباب الخليجي بالتعاون مع فريق «إصرار» ووزارة الثقافة والرياضة والشباب، وأعمال أخرى لصالح الخدمات الطبية للقوات المسلحة. كما خضت تجربة إدارية وإخراجية نوعية كرئيس ومدير لـ«مهرجان السوادي لمسرح الشارع» في مسقط، وهي تجربة كسرنا فيها الإطار التقليدي للمسرح المغلق لنلتحم بالجمهور في الفضاء المفتوح.
■ خضت تجارب متنوعة في مجالات الدراما التلفزيونية والسينما والإنتاج.. كيف انعكس هذا التعدد على شخصيتك كمخرج؟
تعدد المجالات يعزز زوايا الرؤية لدى المخرج ويجعله أكثر قدرة على السيطرة على أدواته. في مجال الإنتاج السينمائي والدرامي، كان للدكتور طالب محمد البلوشي دور بارز في مسيرتي من خلال عملي معه كمدير إنتاج في مسلسلات إذاعية وأفلام روائية، إلى جانب عملي السينمائي مع المخرج يوسف البلوشي.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد شاركت في مسلسل «منا وفينا» للمخرج القدير عارف الطويل، ومن إنتاج التلفزيون العُماني، وهي تجربة عمّقت فهمي للتقنيات التلفزيونية وإدارة حركة الكاميرا والتعامل مع البناء الدرامي للشاشة الصغيرة. كما شاركت بفيلم توعوي في مهرجان سينمائي أقيم بمدينة سوسة التونسية، مما أتاح لي فرصة الاحتكاك بالصناع الخارجيين.
ولأن الممارسة وحدها لا تكفي، حرصت على الالتحاق بدورات ورش تخصصية، منها دورة مع أكاديمية إيطالية للفنون، إيمانًا بأهمية التحديث المستمر للأدوات الأكاديمية والتقنية. وتتوج هذه المسيرة حاليًا بعملي المؤسسي كعضو مجلس إدارة في فرقة «درة وطن» للمسرح، وعضوية الجمعية العُمانية للمسرح، والجمعية العُمانية للسينما.
■ نشأت في بيئة أسرية مهتمة بالشعر والموسيقى.. كيف صاغت هذه الخلفية اهتمامك بالتلحين وبناء “الهوية السمعية”؟
نشأتُ في أسرة فنية تُعنى بالشعر والعزف والغناء؛ وكان لشقيقي الأكبر الراحل -رحمه الله- الفنان تركي المنهالي الأثر العميق في صقل ذائقتي وتكوين حسي الموسيقي منذ الطفولة، حيث كنت أرافقه في جلساته ومشاركاته الفنية وأستوعب تفاصيل الإيقاع والمقامات.
هذا التأسيس منحني قدرة على قراءة النص الشعري وتحويله إلى لحن يستوعب روح الكلمات؛ حيث قدمت ألحانًا وأعمالًا غنائية لشعراء بارزين مثل يعرب عبد الحميد، وأبو همس، وقيس ربيع. بالنسبة لي، الموسيقى ليست مجرد خلفية مرافقة للحدث البصري، بل هي «هوية سمعية» وعنصر درامي إخراجي أساسي يصنع الإحساس ويؤثر في ذاكرة المتلقي.
■ في حفلتي افتتاح وختام مهرجان ظفار السينمائي الدولي، انحزت كليًا لخيار “العرض الحي” (Live).. ما هي المبررات الفنية لهذا التحدي؟
في مهرجان ظفار السينمائي الدولي، كانت ثيمتنا الإخراجية قائمة على إبراز الهوية الظفارية الأصيلة بموسيقاها، وأزيائها، وإيقاعاتها، وفنونها الشعبية. وكان أمامي خياران: إما الاستعانة بالمواد المسجلة مسبقًا كما هو دارج، أو خوض تحدي «العرض الحي المباشر». ومن واقع خبرتي، وجدت أن شغفي الحقيقي يكمن في تحدي الـ Live.
العرض الحي يحمل نسبة مخاطرة عالية، لكنه يمنح المسرح طاقة وحيوية وروحًا حقيقية يستحيل تكرارها في التسجيلات. كما أنه يختبر الجاهزية الاحترافية للمخرج وفريق إدارة الكنترول في التعامل الفوري والدقيق مع أي طارئ دون أن يشعر الجمهور أو المتابع عبر الشاشات بوجود أي خلل.
■ كيف تمكنتم من إنجاز عرض استعراضي يستحضر 7 فنون شعبية خلال فترة إعداد لم تتجاوز 10 أيام؟
هذا كان أحد أكبر التحديات؛ فأعمال الأوبريتات الضخمة تحتاج عادة لفترات تحضير تمتد لأشهر. لكن بالتعاون مع «فرقة التعاون للفنون الشعبية»، خضنا بروفات مكثفة ومكثفة جدًا لمدة 10 أيام فقط. وما تحقَّق كان ثمرة الالتزام العالي والتركيز من أعضاء الفرقة وفريق العمل.
عملنا على التوزيع الحركي، وانسجام الإيقاع مع الألحان، وتطوير التكنيك الإخراجي لتغطية الانتقالات بين المشاهد؛ حيث تمكنا من تقديم 7 فقرات كاملة من الرقصات والفنون الشعبية الظفارية في زمن متواصل تراوح بين 13 إلى 15 دقيقة فقط، دون أي فواصل زجاجية أو توقفات تكسر الإيقاع البصري والسمعي للعرض.
كما كان للتنسيق الدقيق مع فريق الكنترول والإضاءة والصوت والشاشات أثر حاسم في خروج حفلتي الافتتاح والختام والبث المباشر بسلاسة تامة نالت إشادة الجمهور واللجان المنظمة.
■ كلمة أخير توجّهها عبر «اليوم» للمشهد الفني والجمهور؟
الإخراج بالنسبة لي ليس مجرد تنظيم حركة أو إدارة منصة، بل هو «صناعة إحساس» ونقل أمين لروح المكان وهويته الحضارية. ما قدمناه في مهرجان ظفار السينمائي الدولي كان رسالة مفادها أننا قادرون على تقديم موروثنا وفنوننا برؤية إخراجية معاصرة ومحترفة تطوف العالم. وأتوجه بالشكر الجزيل لفرقة التعاون للفنون الشعبية، وإدارة المهرجان، وطاقم الكنترول والفنيين وكل من أسهم في نجاح هذه المحطة الاستثنائية.




