بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس أدوار الدول بحجم حضورها في المشهد الإعلامي، ولا بعدد التصريحات التي تطلقها، بل بقدرتها على فتح الأبواب حين تُغلق، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة حين يصبح التواصل نفسه جزءًا من الأزمة.
ومن هذه الزاوية، تبدو سلطنة عُمان اليوم أمام لحظة تتجاوز حدود الوساطة التقليدية؛ لحظة يختبر فيها العالم مرة أخرى قيمة نهجٍ عُماني لم يُبنَ على ردود الأفعال، وإنما على تراكم طويل من الثقة، والهدوء، والقدرة على التواصل مع أطراف متباعدة في الحسابات والمواقف.
فأزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد أزمة ملاحة في ممر مائي بالغ الأهمية، وإنما أصبحت عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، والطاقة، والتجارة العالمية، والعلاقات الإيرانية–الخليجية، والتوتر بين القوى الدولية.
وفي خضم هذا التعقيد، تبرز عُمان لا باعتبارها طرفًا يبحث عن موقع في الأزمة، بل باعتبارها دولة تمتلك شيئًا أكثر أهمية: القدرة على صناعة مساحة للحوار عندما تضيق مساحات الحل.
ولعل التطور الأبرز في هذا السياق هو الإعلان عن اجتماع مرتقب يوم الاثنين في ولاية صلالة بمحافظة ظفار ، يجمع إيران ودولًا خليجية والعراق، لبحث ترتيبات تتصل بالملاحة في مضيق هرمز، في ظل مساعٍ للوصول إلى صيغة مؤقتة تضمن حركة أكثر أمانًا للسفن التجارية. وتأتي هذه الخطوة بعد محادثات فنية عُمانية–إيرانية امتدت لأسابيع بشأن خيارات الملاحة في المضيق.
وهنا تحديدًا، يصبح السؤال أكبر من: لماذا تستضيف سلطنة عُمان الاجتماع؟
السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت سلطنة عُمان قادرة على أن تجمع أطرافًا قد لا تستطيع الاجتماع بسهولة في مكان آخر؟
الإجابة لا تكمن في الجغرافيا وحدها.
صحيح أن السلطنة تقع في موقع بالغ الحساسية بالنسبة إلى مضيق هرمز، وأن سواحلها تطل على هذا الممر الحيوي، لكن الجغرافيا لا تصنع وحدها النفوذ السياسي.
النفوذ الحقيقي يتشكل عندما تتحول الجغرافيا إلى ثقة، والثقة إلى قنوات اتصال، وقنوات الاتصال إلى قدرة على تقريب المواقف.
وهذا هو جوهر النهج العُماني.
فعُمان لم تبنِ سياستها الخارجية على فكرة الاصطفاف الحاد، ولم تجعل الاختلاف مع طرف سببًا لقطع الجسور معه، ولم تتعامل مع الوساطة باعتبارها دورًا إعلاميًا يحتاج إلى إعلان مستمر.
بل بنت عبر سنوات طويلة نموذجًا مختلفًا يقوم على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد:
أن تكون قادرًا على الحديث مع المختلفين، دون أن تصبح جزءًا من خلافاتهم.
وهذه الميزة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ففي أزمة هرمز، لا توجد مشكلة واحدة يمكن حلها بقرار واحد.
هناك سؤال الملاحة، وهناك سؤال الأمن، وهناك سؤال الثقة، وهناك سؤال الضمانات، وهناك مصالح دول الخليج، وهناك الحسابات الإيرانية، وهناك مصالح القوى الدولية.
وفوق ذلك كله، هناك اقتصاد عالمي لا يحتمل أن تتحول الممرات البحرية الاستراتيجية إلى أدوات مفتوحة للتصعيد.
لذلك فإن أي حل مستدام لن يبدأ من السؤال: من انتصر؟
بل من سؤال أكثر واقعية:
كيف يمكن لجميع الأطراف أن تخرج من الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر، ومن دون أن يشعر أي طرف بأنه اضطر إلى تقديم تنازل يمس أمنه أو سيادته؟
وهنا تظهر قيمة الدور العُماني.
فالوساطة الناجحة ليست بالضرورة أن تجعل الجميع يتفقون على كل شيء، وإنما أن تساعدهم على الاتفاق على الحد الأدنى الضروري لمنع الخطر من الاتساع.
وفي هرمز، قد يكون هذا الحد الأدنى هو تأمين الملاحة التجارية، وفصل حركة التجارة عن منطق التصعيد العسكري، وخلق ترتيبات مؤقتة يمكن البناء عليها لاحقًا.
وهذا ما يجعل اجتماع صلالة، إذا انعقد، أكثر من اجتماع دبلوماسي عابر.
فهو قد يمثل انتقالًا مهمًا من الوساطة الثنائية إلى الحوار الإقليمي.
وهنا تكمن دلالة مشاركة أكثر من طرف.
عندما تجلس إيران مع دول الخليج في مساحة واحدة، فإن القضية لا تعود مجرد تفاهم ثنائي بين طهران ومسقط، وإنما تتحول إلى محاولة لبناء فهم إقليمي مشترك حول أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ومن هنا، فإن الدور العُماني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره محاولة للسيطرة على مسار الأزمة، بل باعتباره محاولة لبناء منصة تستطيع الأطراف من خلالها إدارة الأزمة بدلًا من ترك الأزمة تديرها.
وهذا فرق جوهري.
فالدول المؤثرة ليست دائمًا تلك التي تستطيع فرض الحلول، وإنما قد تكون تلك التي تستطيع منع غياب الحلول من التحول إلى فوضى.
وربما يكون اختيار صلالة تحديدًا من أكثر التفاصيل التي تستحق التأمل.
فصلالة ليست مجرد مدينة عُمانية تستضيف اجتماعًا دبلوماسيًا.
إنها مدينة تقع في جنوب السلطنة، على تخوم فضاء بحري وتجاري مفتوح على المحيط الهندي، وتمتلك موقعًا جغرافيًا يضيف إلى المشهد بعدًا مختلفًا عن الصورة التقليدية لمسقط باعتبارها مركز القرار السياسي.
لكن الأهم من الجغرافيا هو رمزية المكان.
صلالة، بهدوئها، وبُعدها النسبي عن صخب العواصم السياسية، قد تكون مناسبة لطبيعة حوار يحتاج إلى قدر من الهدوء أكثر مما يحتاج إلى الاستعراض.
وهنا تتقاطع المدينة مع النهج.
مكان هادئ لاستعادة لغة هادئة في قضية شديدة الصخب.
ولعل هذه واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن السياسة العُمانية.
ففي الوقت الذي تتحول فيه الأزمات إلى مشاهد إعلامية متسارعة، قد تختار الدبلوماسية العُمانية مساحة مختلفة: طاولة، وحوار، واتصالات مباشرة، ومحاولة لتقليل المسافات بين المواقف.
لكن التحدي الحقيقي أمام عُمان لا يكمن في عقد اجتماع.
فالاجتماعات يمكن عقدها.
أما تحويل الاجتماع إلى مسار سياسي قابل للاستمرار، فذلك هو الاختبار الأصعب.
فإذا نجحت الأطراف في التوصل إلى ترتيبات مؤقتة للملاحة، فإن السؤال التالي سيظهر مباشرة: هل يمكن أن تتحول هذه الترتيبات إلى آلية أكثر استدامة لإدارة أمن الملاحة في الخليج؟ وهل يمكن أن يكون هرمز بدايةً لحوار إقليمي أوسع حول أمن الممرات البحرية؟ وهل تستطيع دول المنطقة الانتقال من إدارة الأزمات كلما انفجرت، إلى بناء قواعد تمنع انفجارها أصلًا؟
هنا يمكن أن يصبح الدور العُماني أكثر عمقًا.
فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى وساطات تنهي أزمة اليوم، وإنما إلى هندسة تفاهمات تقلل احتمالات أزمة الغد.
وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم الوساطة إلى مفهوم أوسع هو الدبلوماسية الوقائية؛ أي أن لا تنتظر الدول وصول الخلاف إلى نقطة الانفجار، بل تعمل قبل ذلك على إنشاء قنوات اتصال، وترتيبات أمنية، وتفاهمات اقتصادية، وآليات لخفض التصعيد.
وعُمان تملك رصيدًا يؤهلها للقيام بدور مهم في هذا الاتجاه.
ليس لأنها تستطيع حل كل الخلافات، فهذا أمر غير واقعي، وإنما لأنها تستطيع أن توفر شيئًا تفتقده الأزمات عادة:
مساحة لا يكون فيها الحوار خسارة لأي طرف.
والخطأ في قراءة أزمة هرمز هو اختزالها في سؤال: هل سيُفتح المضيق أم سيُغلق؟
القضية أعمق من ذلك.
هرمز يمثل اختبارًا لقدرة المنطقة على حماية المصالح المشتركة في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب.
فالممرات البحرية لا تنتمي سياسيًا إلى طرف واحد عندما يتعلق الأمر بالتجارة العالمية؛ أمنها ينعكس على الجميع.
وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة لا يرفع فقط تكلفة النقل والطاقة، بل يوسع دائرة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن حماية الملاحة ليست قضية خليجية فقط، ولا إيرانية فقط، ولا دولية فقط.
إنها مصلحة مشتركة.
وهذه النقطة تحديدًا يمكن أن تكون أساسًا لبناء تفاهم جديد.
فالسياسة تبدأ أحيانًا من المصالح المشتركة، حتى عندما تختلف الأطراف في كل الملفات الأخرى.
وقد يكون هرمز أحد الملفات القليلة التي تستطيع من خلالها دول المنطقة اكتشاف أن التعاون ليس بالضرورة نتيجةً لزوال الخلاف، بل قد يكون أحيانًا وسيلةً لإدارته.
وفي عالم أصبحت فيه القوة تُقاس كثيرًا بالحضور الإعلامي، تذكّرنا عُمان بأن هناك نوعًا آخر من القوة.
قوة الدولة التي تستطيع أن تقول أقل، لكنها تفعل أكثر.
قوة الدولة التي لا تبحث عن مركز المشهد، لكنها تصبح ضرورية عندما يحتاج المشهد إلى من يجمع أطرافه.
قوة الدولة التي لا ترفع سقف خطابها، لأنها تعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح بالتصعيد.
وهذا هو المعنى الأعمق للنهج العُماني.
فالنهج ليس حيادًا سلبيًا.
وليس ابتعادًا عن القضايا.
وليس مساواةً بين جميع المواقف.
إنه حضور هادئ، محسوب، قادر على التواصل مع المختلفين، والعمل على تحويل التناقض من صراع مفتوح إلى مساحة تفاوض.
ولذلك، فإن أهمية ما يحدث في صلالة لا تكمن فقط في مخرجات اجتماع قد يستمر ساعات، وإنما في الدلالة الأوسع التي يحملها:
أن الدبلوماسية الهادئة، عندما تتراكم الثقة حولها، يمكن أن تتحول من أسلوب سياسي إلى أصل استراتيجي للدولة.
فصلالة هنا ليست مجرد موقع جغرافي لاستضافة اجتماع، وإنما قد تتحول إلى صورة مكثفة لفلسفة سياسية امتدت لعقود: أن صناعة السلام لا تحتاج دائمًا إلى منصة صاخبة، بل إلى مساحة آمنة للحوار.
وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والسياسة مع الأمن، والمصالح الوطنية مع الاقتصاد العالمي، ربما تكون هذه القدرة نفسها شكلًا من أشكال القوة.
ويبقى السؤال الأوسع الذي يتجاوز اجتماع الاثنين: إذا كان هرمز قد كشف هشاشة الأمن الإقليمي عندما تُدار الخلافات بمنطق القوة، فهل تستطيع المنطقة أن تستثمر هذه اللحظة لبناء نموذج مختلف؟ وهل يمكن أن تتحول الترتيبات المؤقتة للملاحة إلى نواة لتفاهمات أوسع؟ وهل تستطيع عُمان، بما تمتلكه من رصيد الثقة، أن تساعد المنطقة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء آليات لمنعها؟
ربما لا تكون الإجابة في اجتماع واحد.
لكن بعض الاجتماعات لا تُقاس نتائجها بما يُعلن في ختامها فقط، بل بما تفتحه من أبواب بعد انتهائها.
ولهذا، فإن صلالة يوم الاثنين قد لا تكون مجرد محطة جديدة في أزمة هرمز.
قد تكون اختبارًا جديدًا لفكرة أثبتت عُمان عبر السنوات أن الدبلوماسية ليست دائمًا في أن تكون الأعلى صوتًا، بل أحيانًا في أن تكون المكان الذي يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا.
وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والسياسة مع الأمن، والمصالح الوطنية مع الاقتصاد العالمي، ربما تكون هذه القدرة نفسها شكلًا من أشكال القوة.
قوة عُمان الهادئة.. حين تتحول الثقة إلى نفوذ، والنهج إلى مساحة للحل.


