السودان الذي يجمعنا (4)
ما وراء المشهد
كيف تكوّن المجتمع السوداني؟
حين صنعت الجغرافيا والهجرة والتجارة والدين والمصاهرة مجتمعًا من روافد متعددة
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
هل كان المجتمع السوداني، منذ بداياته، مجتمعًا واحدًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم؟
قد تبدو الإجابة سهلة إذا نظرنا إلى السودان من الحاضر، لكن التاريخ يقول شيئًا أكثر تعقيدًا. فالمجتمع الذي نطلق عليه اليوم «المجتمع السوداني» لم يتكوّن في لحظة واحدة، ولم تصنعه دولة حديثة بقرار ، وإنما تشكّل عبر قرون طويلة من الحركة والهجرة والتجارة والزراعة والرعي والدين والمصاهرة والجوار، فضلًا عن فترات الحرب والسلم.
وهنا تبدأ الحكاية من الجغرافيا
لم يكن السودان أرضًا معزولة. كان ملتقى طرق بين وادي النيل والبحر الأحمر والصحراء الكبرى وبلاد الساحل ووسط أفريقيا وشرقها.
تحركت جماعات بحثًا عن الماء والمرعى والأرض، وانتقلت أخرى عبر التجارة، وجاءت هجرات واستقرت أخرى، بينما عبر بعض الناس المكان ثم واصلوا طريقهم .
لكن متى تتحول حركة الناس إلى مجتمع؟
ربما عندما تتحول الحركة إلى علاقات .
فالوافد إذا استقر، وتزوج، وأنشأ أسرة، ودخل السوق، وجاور غيره، وتحالف معه أو اختلف معه، لم يعد مجرد عابر. ومع مرور الأجيال تتداخل العلاقات، ويصبح سؤال «من جاء أولًا؟» أقل أهمية من سؤال آخر:
كيف عاش الناس معًا؟
وهل قوة المجتمعات تُقاس بقِدم استقرارها، أم بقدرتها التاريخية على صياغة عيش مشترك؟
الهجرة… حين يتحول القادم إلى جزء من المجتمع
كانت الهجرات إلى السودان عملية تاريخية ممتدة، ولم تكن حدثًا واحدًا أو طريقًا واحدًا. جاءت جماعات عربية، وتحركت واستقرت جماعات من مناطق أفريقية مختلفة، واستمرت مجتمعات أقدم في وجودها وتطورها.
ولم يكن الناتج مجرد إضافة سكان إلى سكان .
فالاستقرار والمصاهرة والجوار والتحالف والتجارة والمصالح المشتركة صنعت علاقات جديدة، ومع الأجيال تغيرت صورة المجتمع نفسه.
ثم جاء السوق :
قد يبدو السوق مكانًا عاديًا، لكنه في تاريخ المجتمعات أكثر من ذلك بكثير؛ فهو مساحة يلتقي فيها المختلفون ويتبادلون السلع والأخبار والخبرات، وتنشأ فيه العلاقات كما تنتقل من خلاله العادات والأفكار واللغات
فالطريق التجاري لم يكن طريقًا للبضائع فقط؛ كان طريقًا للبشر أيضًا
ثم جاء الإسلام
انتشر الإسلام في مناطق السودان بصورة تدريجية عبر مسارات متعددة: التجارة والهجرة، والعلماء والفقهاء، والخلاوي والمساجد، والطرق الصوفية، والعلاقات السياسية والاجتماعية، والمصاهرة .
ولم يدخل الإسلام إلى مجتمع خالٍ، وإنما إلى مجتمعات قائمة لها نظمها وعاداتها وثقافاتها، فتفاعل معها وأعاد تشكيل جوانب واسعة من الحياة
وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة كثيرًا ما تختلط في الحديث عن تاريخ السودان :
الإسلام شيء، والتعريب شيء آخر
فقد انتشر الإسلام في مجتمعات متعددة، ثم انتشرت العربية تدريجيًا كلغة للتواصل والدين والتجارة والإدارة في مناطق مختلفة، بينما بقيت لغات وثقافات محلية حاضرة إلي اليوم.
لذلك لا يمكن اختصار التاريخ في معادلة بسيطة تقول: «جاء العرب، ثم أصبح السودان عربيًا»، كما لا يمكن اختزاله في الاتجاه المعاكس .
فالواقع أكثر تركيبًا .
المجتمع لم يكن مجرد قبائل
مع تراكم هذه التحولات ظهرت أطر مختلفة لتنظيم الحياة: الأسرة والقرابة، والقبيلة، والدار، والحاكورة، والسوق، والمرعى، والشيخ، والسلطان.
لم تكن هذه مجرد ألفاظ، بل كانت جزءًا من الطريقة التي نظم بها الناس حياتهم وحقوقهم وعلاقاتهم قبل أن تأتي الدولة الحديثة بمؤسساتها المركزية.
ولهذا من الخطأ أن ننظر إلى المجتمع السوداني باعتباره مجرد مجموع قبائل .
فالقبيلة كانت إطارًا مهمًا، لكنها لم تكن الإطار الوحيد. كان الإنسان يعيش داخل شبكة من العلاقات تتداخل فيها الأسرة والقرابة والجوار والعمل والسوق والدين والسلطة المحلية.
لكن متى أصبح التنوع مشكلة؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده :
هل كان التنوع السوداني في ذاته مشكلة؟
التاريخ لا يقول ذلك .
فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة عندما توجد قواعد تنظم العلاقة بين المختلفين، وتحفظ الحقوق، وتتيح المصالح المشتركة .
لكن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مشكلة عندما يصبح وسيلة لتحديد :
من يملك الأرض؟ من يملك السلطة؟ من يحصل على الموارد؟ من يُعترف به؟
وهنا ينتقل التنوع من مجرد اختلاف اجتماعي إلى مسألة سلطة ومصلحة وحقوق .
وهذا التحول لم يحدث في يوم واحد، ولا يمكن تحميله لعنصر واحد أو قبيلة واحدة أو فترة تاريخية واحدة؛ إنه نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية، سنعود إلى بعضها في مراحل لاحقة من هذه السلسلة.
ومن نحن إذن؟
ربما لهذا السبب ظل سؤال الهوية حاضرًا بقوة في السودان :
هل السودان عربي أم أفريقي؟
لكن السؤال نفسه قد يكون أضيق من التاريخ .
فالسودان أفريقي في موقعه وتاريخه، والعربية أصبحت لغة وثقافة واسعة فيه، والإسلام عنصر أساسي في تاريخه الاجتماعي والديني، وفيه تراثات نوبية وبجاوية وفورية وفنجية وعربية وغيرها، فضلًا عن تداخلات تاريخية لا يمكن وضعها كلها في خانة واحدة .
ولهذا فإن وجود السودان في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ليس مفارقة، بل يعكس جانبًا من تركيبه التاريخي والجغرافي والثقافي، كما أن حضوره في الأطر والمنظمات الإقليمية العربية والأفريقية يؤكد أن الانتماء إلى دائرة لا يلغي الانتماء إلى الأخرى .
فهل نحن مضطرون إلى اختيار واحدة وإلغاء الأخرى؟
أم أن المشكلة في السؤال نفسه؟
فالسودان لم يتكوّن من «أصل واحد» حتى يبحث اليوم عن أصل واحد؛ إنه مجتمع تشكّل من روافد متعددة، عبر قرون من الحركة والاستقرار والتجارة والدين والمصاهرة والتحالف والجوار.
وهل ستعيد الأجيال القادمة تعريف الهوية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأبعد .
فالهوية ليست قطعة أثرية نكتشفها ثم نضعها في متحف؛ إنها أيضًا علاقة الإنسان بماضيه وحاضره ومستقبله .
فإذا كانت أجيال سابقة قد صنعت مجتمعًا من روافد متعددة، فهل تستطيع الأجيال القادمة أن تصنع هوية سودانية أوسع من الانتماءات الضيقة، دون أن تلغي تاريخ أي مكوّن من مكونات المجتمع؟
وهل تصنع الدولة الحديثة الهوية، أم تتركها للتراكم التاريخي للأجيال؟
السؤال مفتوح .
لكن المؤكد أن السودان لم تصنعه قبيلة واحدة، ولا هجرة واحدة، ولا لغة واحدة، ولا دولة واحدة .
لقد صنعته قرون من التفاعل
وهنا نصل إلى نقطة التحول الكبرى
فالمجتمع السوداني كان قد قطع شوطًا طويلًا في التكوين قبل الدولة المركزية الحديثة. كانت له مراكزه وسلطاته وعلاقاته ونظمه المحلية
ثم جاء القرن التاسع عشر، وبدأت السلطة المركزية تصبح أكثر حضورًا في حياة الناس، وأصبحت الإدارة والضرائب والقانون والجيش أدوات جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع .
1821 ولذلك فان عام
ليست بداية تاريخ السودان، وإنما بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الدولة الحديثة فيه .
ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال فقط .
كيف عاش الناس معًا؟
بل أصبح سؤالًا أكثر تعقيدًا :
ماذا يحدث عندما تأتي الدولة المركزية إلى مجتمع سبقها إلى التكوين، وكان أكثر تنوعًا من أن تستوعبه بسهولة داخل نظام واحد؟
من هنا تبدأ حكاية أخرى من السودان الذي يجمعنا


