الحماية الاجتماعية.. من الأمان إلى التمكين

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ماذا يعني أن يشعر الإنسان بأن وراءه منظومة لا تتركه وحيدًا عندما تتغير ظروف حياته؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يحمل في داخله معنى عميقًا لفكرة الحماية الاجتماعية؛ فالحماية ليست مجرد مبلغ يصل إلى مستحق، ولا إجراءً إداريًا ينتهي عند تسجيل الطلب، وإنما هي فلسفة اجتماعية تقوم على أن الإنسان لا ينبغي أن يواجه تقلبات الحياة بمفرده، وأن المجتمع الذي يريد الاستقرار لأفراده لا ينتظر وقوع الحاجة حتى يتدخل، بل يبني منظومة قادرة على الاستجابة لها، والتعامل مع آثارها، والنظر في المستقبل أيضًا.

وفي سلطنة عُمان، شهدت منظومة الحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة تحولًا واسعًا، انتقلت معه الحماية من تعدد البرامج والجهات إلى منظومة أكثر تكاملًا تحت مظلة صندوق الحماية الاجتماعية، تشمل المنافع الاجتماعية والتأمينات، وترتبط كذلك بالتمكين والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

وهنا يبدأ السؤال الأهم:

هل تكفي الحماية لتوفير الأمان، أم أن المرحلة القادمة تتطلب أن تتحول من الأمان إلى التمكين؟

فحين يحتاج الإنسان إلى الدعم، فإن أول ما نحتاجه هو ألا يشعر بأنه وحيد أمام ظرفه.

قد يكون الظرف فقدان مصدر دخل، أو التقدم في العمر، أو الإعاقة، أو فقدان أحد الوالدين، أو مسؤوليات أسرية تثقل كاهل الأسرة. ولذلك جاءت منظومة الحماية الاجتماعية لتشمل فئات وبرامج متعددة، من بينها منافع كبار السن والطفولة والأشخاص ذوي الإعاقة والأيتام والأرامل ودعم دخل الأسر، إلى جانب برامج التأمين الاجتماعي.

لكن قيمة أي منظومة حماية لا تكمن فقط في اتساع نطاقها، بل في قدرتها على الوصول إلى الإنسان الذي يحتاجها، في الوقت المناسب، وبطريقة تحفظ كرامته.

وهنا يصبح الأمان الاجتماعي أكثر من مجرد دعم مالي؛ إنه شعور بالاستقرار، والقدرة على مواجهة الظروف، وعدم تحول الطارئ إلى أزمة طويلة الأمد.

من الأمان إلى التمكين

إذا كانت الحماية تمنح الإنسان مساحة من الأمان، فإن التمكين يمنحه مساحة من الحركة.

وليس كل مستفيد من برامج الحماية الاجتماعية في الوضع نفسه؛ فهناك من يحتاج إلى حماية مستمرة بحكم العمر أو الإعاقة أو ظروفه الخاصة، وهناك من يمر بظرف مؤقت، وهناك من يمتلك القدرة على العمل والإنتاج لكنه يحتاج إلى فرصة أو تأهيل أو مسار يساعده على الوقوف من جديد.

ولهذا فإن الحديث عن التمكين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا عن الحماية، بل باعتباره امتدادًا لها حين تكون القدرة والفرصة متاحتين.

فالغاية ليست أن نقول للإنسان: «لم تعد بحاجة إلى الحماية»، وإنما أن نقول له:

«نحن نحميك حين تحتاج، ونساعدك على بناء قدرتك حين تستطيع».

وهذه المعادلة الدقيقة هي التي تجعل الحماية الاجتماعية مشروعًا لبناء الإنسان، لا مجرد منظومة لصرف المنافع.

السؤال الذي يجب أن يتغير

ربما اعتدنا أن نقيس نجاح البرامج الاجتماعية بأسئلة مثل:

كم عدد المستفيدين؟

وكم بلغت قيمة الدعم؟

وكم برنامجًا تم إطلاقه؟

وهي أسئلة مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها.

السؤال الأعمق هو:

ماذا تغير في حياة الإنسان بعد أن وصلته الحماية؟

هل أصبح أكثر استقرارًا؟

هل أصبح أكثر قدرة على مواجهة الظروف؟

هل تمكنت الأسرة من تجاوز مرحلة صعبة؟

هل حصل القادر على العمل على فرصة تساعده على الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج؟

وهل أصبحت الحماية أكثر قدرة على استباق المخاطر بدل الاكتفاء بمعالجة آثارها؟

وهنا تبرز أهمية قياس الأثر؛ فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم ما تقدمه المنظومة، وإنما بما تتركه هذه البرامج من أثر في حياة الإنسان والأسرة والمجتمع.

الحماية ليست نهاية الطريق

من المهم أن ندرك أن التمكين لا يعني مطالبة كل مستفيد بأن يصبح قادرًا على الاستقلال الاقتصادي؛ فهناك فئات تكون الحماية المستمرة جزءًا أساسيًا من حقها الاجتماعي، ولا ينبغي أن تتحول فكرة التمكين إلى عبء إضافي على من لا تسمح ظروفه بذلك.

لكن في المقابل، هناك إنسان قد تكون مشكلته الأساسية ليست غياب القدرة، وإنما غياب الفرصة.

وهنا يمكن للحماية الاجتماعية أن تلعب دورًا أكبر من الدعم؛ أن تكون جسرًا إلى العمل، والإنتاج، والاستقلال، والمشاركة.

فالدعم في لحظة الحاجة قد يحمي الأسرة من الانكسار، لكن التمكين عندما يكون ممكنًا قد يساعدها على بناء قدرة أكثر استدامة على مواجهة المستقبل.

حماية اليوم.. واستدامة الغد

هناك بعد آخر لا يقل أهمية، وهو استدامة الحماية الاجتماعية.

فالمنظومة التي تحمي الإنسان اليوم يجب أن تكون قادرة على حماية الأجيال القادمة أيضًا.

وهذا يتطلب توازنًا بين الحقوق والموارد، وبين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل، وبين جودة الخدمات واستدامتها.

فالحماية الاجتماعية ليست مسؤولية مالية فقط، وإنما منظومة تحتاج إلى تخطيط طويل المدى، وقراءة للتحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، وتطوير مستمر للبرامج بما يتناسب مع احتياجات المجتمع.

وهذا ما يجعل الحديث عن الحماية الاجتماعية حديثًا عن المستقبل بقدر ما هو حديث عن الحاضر.

من المستفيد إلى الشريك

وربما تكون الخطوة الأكثر نضجًا في مفهوم الحماية الاجتماعية هي أن نعيد النظر في كلمة «مستفيد».

فالإنسان الذي يحصل على الحماية ليس رقمًا في قاعدة بيانات، وإنما فرد له احتياجات وقدرات وظروف وتجربة حياة.

ومن هنا، فإن تطوير الخدمات لا ينبغي أن يتوقف عند سهولة الوصول إليها، بل يمتد إلى فهم احتياجات الناس، وتبسيط الإجراءات، والاستماع إلى تجاربهم، والاستفادة من البيانات في تحسين البرامج.

وكلما أصبح الإنسان شريكًا في تطوير المنظومة، أصبحت الحماية أكثر قربًا من الواقع وأكثر قدرة على صناعة الأثر.

نحو مفهوم أكثر إنسانية للحماية

ربما لا يكون السؤال الأهم هو: كم نريد أن ننفق على الحماية الاجتماعية؟

بل:

أي مجتمع نريد أن تبنيه هذه الحماية؟

مجتمع يحمي كبار السن ويحفظ كرامتهم.

يرعى الطفل ويمنحه بداية عادلة.

يساند الأشخاص ذوي الإعاقة ويعزز مشاركتهم.

يقف إلى جانب الأسرة حين تواجه ظرفًا استثنائيًا.

يحفظ حقوق العامل عندما يتعرض لمخاطر العمل أو فقدان الدخل.

ويمنح القادر على العمل فرصة للانتقال من الاعتماد إلى الاستقلال.

هذه ليست مجرد برامج منفصلة؛ إنها صورة لمجتمع يريد أن يجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.

وفي النهاية، فإن قوة الحماية الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم ما تقدمه الدولة، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة دقيقة بين الحماية والتمكين، بين الأمان والاستقلال، وبين حق الإنسان اليوم وحق الأجيال غدًا.

فالحماية تمنح الإنسان الأمان عندما يحتاجه، والتمكين يمنحه القدرة عندما تتوافر لديه الفرصة.

وبينهما تتشكل منظومة اجتماعية أكثر إنسانية واستدامة؛ منظومة لا تنظر إلى الإنسان باعتباره مستفيدًا فحسب، وإنما باعتباره قيمة وغاية وشريكًا في بناء المجتمع.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img