ذات حلم

نشرت :

حلم….. لأحمد الحضرمي

لا أتذكر كيف دخلتُ القاعة.

كل ما أتذكره أنني كنت واقفًا في منتصفها، أحاول أن أجد شيئًا أعرفه.

لم تكن هناك نوافذ.

ولا باب.

ولا ساعة.

ولا أي شيء يمكن أن يخبرني إن كان الوقت ليلًا أم نهارًا.

كانت قاعة واسعة، خالية إلا من طاولة مستديرة تتوسطها ثلاثة كراسٍ، جلس عليها ثلاثة رجال لم أشك لحظة في معرفتي بهم.

كان الأول دان براون.

والثاني كارل يونغ.

والثالث جلال الدين محمد الرومي.

لم يسألني أحد كيف عرفتهم.

ولم أسأل نفسي كيف يمكن لثلاثة أشخاص ينتمون إلى أزمنة وأماكن مختلفة أن يجتمعوا في قاعة لا باب لها.

ربما لأنني كنت أعرف منذ اللحظة الأولى أنني أحلم.

وهذا، في الأحلام، يكفي أحيانًا لتقبّل ما لا يمكن قبوله في اليقظة.

كان على الجدار المقابل ثلاثة أشياء:

مفتاح.

ومرآة.

وصندوق أسود صغير.

حدقت فيها طويلًا.

قال دان:

«أين الباب؟»

نظر يونغ حوله، ثم قال بهدوء:

«لماذا تفترض أن هناك بابًا؟»

قال دان:

«لأنهم أعطونا مفتاحًا.»

نظر دان إلى المفتاح، ثم نهض.

لم يكن في حركته شيء من التردد.

اقترب من الجدار، وأخذ المفتاح.

قلبه بين أصابعه.

ثم قال:

«المفتاح لا يأتي وحده.»

ابتسم يونغ ابتسامة صغيرة.

«أنت تبحث عن قفل.»

«لأن المفتاح يحتاج إلى قفل.»

قال الرومي:

«وربما يحتاج القفل إلى مفتاح.»

نظر دان إليه.

«هذا لا يساعد.»

قال الرومي:

«لم أقل إنني أريد أن أساعد.»

اقترب دان من المرآة.

كانت المرآة طويلة، لكن سطحها لم يعكس القاعة كما ينبغي.

كنت أرى الطاولة والكراسي، لكن شيئًا في الانعكاس كان متأخرًا عن الواقع.

شيئًا صغيرًا جدًا.

يكاد لا يُرى.

ثم رأيت الصندوق.

كان في المرآة مفتوحًا.

بينما كان الصندوق أمامنا مغلقًا.

قال دان:

«حسنًا.»

التفتُّ إليه.

قال:

«هذا هو الشيء الذي كنت أبحث عنه.»

قال يونغ:

«أم الشيء الذي كنت تحتاج إلى أن تجده؟»

لم يجب دان.

اتجه إلى الصندوق.

جلس أمامه.

ثم فتحه.

كان فارغًا.

رفع يده من داخله.

كان عليها غبار أسود.

توقف للحظة.

ثم نظر إلى قاع الصندوق.

كانت هناك جملة صغيرة محفورة في الخشب:

«إذا عرفتَ ما يفتح هذا المفتاح، فقد خسرت.»

قرأها دان مرتين.

ثم ابتسم.

قال:

«الآن أصبح الأمر ممتعًا.»

قال يونغ:

«لماذا؟»

«لأن هناك قاعدة.»

«ومن قال إن القاعدة لنا؟»

رفع دان إصبعه الذي علق به الغبار الأسود.

«هذا أثر.»

قال يونغ:

«الأثر يقول إن شيئًا مر من هنا.»

«وهذا يكفي.»

«يكفي لبدء البحث، لا لإثبات ما تبحث عنه.»

نظر دان إليه.

«أنت تجعل الأشياء أكثر تعقيدًا مما هي عليه.»

قال يونغ:

«وأنت تجعلها أكثر وضوحًا مما تحتمل.»

تدخل الرومي:

«كلاكما يفعل الشيء نفسه.»

التفتنا إليه.

قال:

«أحدكما يملأ الفراغ بالأسئلة، والآخر يملؤه بالتفسير.»

قال دان:

«والفراغ؟»

ابتسم الرومي.

«يبقى فراغًا.»

نهض دان.

كان المفتاح لا يزال في يده.

نظر إلى الصندوق، ثم إلى المرآة.

قال:

«كاتب مثلي لا يضع صندوقًا أسود في منتصف الحكاية بلا سبب.»

سكت لحظة، ثم أضاف:

«ولا أظن أن هذا الحلم أكثر غباءً من رواية.»

نظر يونغ إليه.

«أنت تفترض أن الحلم حكاية.»

«كل شيء أمامي مصمم ليُقرأ.»

«وهذه أول مشكلة.»

قال دان:

«والنص يحتاج إلى قارئ.»

قال يونغ:

«والقارئ قد يكتب نصفه دون أن يعرف.»

نظرت إلى المرآة.

رأيت القاعة بوضوح، ورأيت دان ويونغ والرومي.

لكنني لم أرَ وجهي.

كان دان في انعكاسها واقفًا أمام الصندوق.

لكنه لم يكن ينظر إليّ.

كان ينظر إلى الصندوق.

قال يونغ:

«أنت تنظر إلى انعكاسه.»

لم أجب.

قال:

«إذن كيف عرفت إلى ماذا ينظر؟»

صمتُّ.

قال يونغ:

«أنت افترضت أنه ينظر إلى الصندوق لأنك أنت تنظر إليه.»

نظر دان إلى المرآة.

قال:

«قد يكون ذلك صحيحًا.»

قال يونغ:

«وقد يكون إسقاطًا.»

ثم أضاف:

«حين تسمي إسقاطك دليلًا، يصبح من الصعب عليك أن تراه.»

قال الرومي:

«بل تكشف أن الناظر لا يستطيع أن يخرج من نظره.»

نظر إلى المرآة.

«حتى حين ينظر إلى نفسه.»

ابتعدتُ عنها.

كان هناك شيء في كلامه جعل المرآة أقل شبهًا بمرآة.

قال دان:

«شيئًا كان هنا.»

قال يونغ:

«وهذا ليس دليلًا.»

«بل هو السبب الذي يجعلني أبحث.»

قال يونغ:

«أن يتحول البحث عن الشيء إلى دليل على وجود الشيء.»

قال الرومي:

«وأحيانًا يتحول الفراغ إلى شيء فقط لأننا لا نحتمل أن يبقى فراغًا.»

لم أعرف لماذا أزعجني الصندوق الفارغ إلى هذا الحد.

لم أكن أعرف ما الذي توقعت أن أجده داخله.

لكنني كنت أريد شيئًا.

أي شيء.

شيئًا يجعل الرحلة تستحق أن تكون رحلة.

اقترب دان من الصندوق مرة أخرى.

نظر إلى داخله.

كان فارغًا.

قال:

«شيئًا كان هنا.»

رفع يونغ عينيه إليه.

«لماذا تحتاج أن يكون هناك شيء؟»

قال دان:

«لأن الغبار لم يأتِ من لا شيء.»

قال يونغ:

«أنت تريد جوابًا.»

ثم نظر إليّ.

«لأنك لا تريد أن تكون كل هذه العلامات بلا معنى.»

قال دان:

«ما الفرق؟»

قال يونغ:

«أنك تبحث عن معنى في الأشياء.»

ثم نظر إليّ مرة أخرى.

«وهو يبحث عن نفسه في المعنى.»

قال الرومي:

«وكلاكما يفترض أن عليه أن يجد.»

ساد الصمت.

قال الرومي:

«ربما لا شيء مفقود.»

قال دان:

«الغبار يقول غير ذلك.»

«الغبار يقول إن شيئًا كان هنا.»

ثم نظر إليه.

«ولا يقول إنك بحاجة إلى معرفة ما كان.»

قال دان:

«الفهم نوع مهذب من الامتلاك.»

رفع يونغ حاجبه.

«أخيرًا.»

قال دان:

«لا تفرح كثيرًا.»

ثم نظر إلى الصندوق.

«ما زلت أريد أن أعرف.»

قال الرومي:

«وهذا ليس عيبًا.»

صمت قليلًا.

«إلا إذا أصبحت الإجابة أهم من قدرتك على العيش دونها.»

نظر دان إلى المفتاح.

ثم إلى المرآة.

ثم إلى الصندوق.

قال:

«أنا أريد أن أعرف من وضعها.»

قال يونغ:

«وأنا أريد أن أعرف لماذا تحتاج إلى معرفة ذلك.»

قال الرومي:

«وأنا أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا لم تعرفه.»

نظرت إليهم.

كان الفرق بينهم واضحًا فجأة.

قال يونغ:

«هو يريد الوصول.»

ثم أشار إلى دان.

«وأنا أريد أن أفهم.»

ثم نظر إلى الرومي.

«وهو يريد أن يعرف ماذا سيحدث له إذا لم يصل.»

قال الرومي:

«هذه المرة قلتها جيدًا.»

قال دان:

«وأنت؟»

رفع الرومي عينيه.

«ماذا أريد؟»

«نعم.»

قال:

«أن أتوقف عن الحاجة إلى أن أريد.»

بقي دان صامتًا لحظة.

ثم قال:

«وهذا أكثر جواب غامض سمعته الليلة.»

ابتسم الرومي.

«لأنك ما زلت تظن أن الغموض يحتاج إلى حل.»

في تلك اللحظة سقط المفتاح من يد دان.

لم يصدر سقوطه صوتًا عاديًا.

كان الصوت يشبه شيئًا آخر.

كأن بابًا ضخمًا أُغلق في مكان بعيد.

ارتجفت القاعة.

نظرت إلى المرآة.

لم تعد تعكس شيئًا.

اختفى الصندوق.

واختفى دان.

ثم اختفى يونغ.

بقي الرومي وحده.

كان واقفًا أمامي.

قال:

«هو يذهب إلى ما يمكن اكتشافه.»

ثم نظر إلى المكان الذي كان يقف فيه يونغ.

«ويونغ؟»

سكت لحظة.

«إلى ما يمكن تفسيره.»

ابتسم.

«وأنت؟»

لم أعرف ماذا أقول.

قال:

«إلى ما لا يحتاج إلى أن يكون شيئًا.»

ثم نظر إليّ مباشرة.

«أما أنت، فما زلت هنا.»

لم أجب.

مد يده إلى المصباح الوحيد في القاعة.

وأطفأه.

استيقظتُ في الصباح.

كنت في سريري.

الشمس تدخل من النافذة.

الأصوات العادية للشارع في الخارج.

كل شيء في مكانه.

وضعت يدي على وجهي.

كنت أتذكر القاعة.

والمفتاح.

والمرآة.

والصندوق.

ودان.

ويونغ.

والرومي.

لكنني لم أستطع أن أتذكر وجهي.

جلست إلى طاولتي.

كان دفتري مفتوحًا.

لم أتذكر أنني فتحته.

في الصفحة الأولى كانت هناك جملة واحدة:

«ماذا تريد أن تعرف؟»

قلبت الصفحة.

لم يكن هناك شيء.

ثم عدت إلى الصفحة السابقة.

كانت الجملة لا تزال هناك.

وتحتها، بخط مختلف، كلمة واحدة:

«أنت.»

وفي أسفل الصفحة ثلاثة خطوط سوداء قصيرة.

ومنذ ذلك الصباح، لم أعد متأكدًا مما إذا كنت قد استيقظت من الحلم…

أم أنني فقط انتقلت إلى الجزء الذي يبدأ فيه الحلم بالتظاهر بأنه واقع.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img