لوحات الفنانة الأردنية خزامى أبو جودة.. الخزف بوصفه وسيطًا تعبيريًّا

نشرت :

مسقط : العمانية

يقدم معرض "حين يصبح الطين جسدًا" للتشكيلية الأردنية خزامى أبو جودة، تجربة متكاملة تدمج بين إتقان الحرفة في التعامل مع الطين والحريق والتزجيج، وبين التأمل الإنساني العميق في مفاهيم التجدد والهشاشة والصمود.

ويتضمن المعرض المقام على جاليري "وصل" بالمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، 52 منحوتة وقطعة فنية من الأعمال الخزفية، تكشف رؤى بصرية عميقة لعلاقة الإنسان بالمادة الخام، وتستثمر الخزف بوصفه وسيطًا تعبيريًّا قادرًا على التعبير عن مفاهيم إنسانية عدة تتعلق بالذاكرة والمشاعر.

وتتنوع تقنيات المعرض الذي يستمر حتى 8 أكتوبر المقبل، إذ وظّفت الفنانة مواد خام من الخزف والأصباغ والأوكسيد، إلى جانب الخزف المزجَّج، وهذا التوظيف المزدوج بين السطح الخام وغير المُزجّج من جهة، والسطح المصقول اللامع من جهة أخرى، يمنح القطع طبقات بصرية وملمسية متباينة؛ فبينما يحتفظ الخزف غير المزجَّج بخشونته الترابية القريبة من طبيعة المادة الأصلية، مما يعزز الإحساس بالهشاشة والانكشاف، يأتي الخزف المزجَّج ليضيف بُعداً من الصقل والتكثيف اللوني.

أما استخدام الفنانة للألوان والأوكسيدات، فهو خيار تقني له دلالته الجمالية العميقة؛ فالأوكسيد المعدني حين يُطبَّق على سطح الطين قبل الحرق أو أثناءه، يُنتج تدرّجات لونية غير متوقعة تمامًا، تتفاعل مع درجة الحرارة ومدة التعرض للنار بطريقة يصعب التحكم بها بشكل كامل، وهذا العنصر من "اللايقين" في العملية التقنية يتماهى مع الفكرة المركزية للمعرض؛ إذ إن الجسد، مثله مثل الطين المحروق، يخرج من تجاربه بآثار لا يمكن توقعها أو محوها، لكنها تصبح جزءًا لا يتجزأ من هويته.

ويتوزّع المعرض على ثلاث مجموعات فنية متكاملة، تشكّل معًا رحلة سردية متصلة من الولادة إلى الموت، أُولاها: "التيوليب"، وفيها توظف الفنانة فعلَ التفتُّح بوصفه لحظة ولادة وتجدد وتحوّل، وتبدو أشكالها معلّقة بين الانغلاق والانكشاف، كأنها تحمل في بنيتها إمكانية دائمة لبداية جديدة.

وتقنيًّا، يتطلب تشكيل هذه الهيئات المتفتحة تحكمًا دقيقًا بسماكة جدار الطين ومرونته في مرحلة ما قبل الجفاف، إذ إن أي خلل في توزيع الرطوبة قد يؤدي إلى تشقق الشكل أو انهياره قبل أن يبلغ حالته النهائية في الفرن، وهو ما يفسر لجوء الفنانة إلى تكرار هذه الهيئة بتنويعات مختلفة عبر القطع.

أما المجموعة الثانية فهي "الأفق"، وتتجه فيها الفنانة نحو العمق وتراكم الطبقات، حيث يكشف كل سطح عمّا يختبئ تحته، في إشارة إلى الذكريات والتجارب التي تتشكّل من خلالها الذات الإنسانية باستمرار، ويقوم هذا "التراكم الطبقي" على بناء السطح من خلال طبقات متتالية من الطين أو الأصباغ، بحيث تظل ملامح الطبقة السابقة حاضرة جزئياً تحت الطبقة اللاحقة، فيَنتُج سطح يحمل في داخله ما يشبه الأثر الأركيولوجي، تمامًا كما تتراكم التجارب الإنسانية فوق بعضها دون أن تمحو ما قبلها بشكل كامل.

وفي المجموعة الثالثة المسمّاة "الثور"، تتجسد القوة والتحدي والصمود في أجساد متصدعة تحمل آثار ما مرت فيه، لكنها تظل ثابتة ومتماسكة. ومن الناحية التقنية، يبدو أن الفنانة تعمّدت في هذه المجموعة إبراز التصدعات والشقوق الطبيعية التي قد تظهر على سطح الخزف أثناء الحرق، بدلًا من إخفائها أو تصحيحها، فحوّلت ما يُعدّ عادة "عيبًا" في الصناعة الخزفية التقليدية إلى عنصر تعبيري أساسي يخدم فكرة العمل.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img