البحث عن عمل في غياب الفرص

نشرت :

سالم رجب الشحري

​في معناه اللغوي والمنطقي، يدل «البحث» على السعي إلى شيء موجود في الأصل لكنه مفقود أو متوارٍ عن الأنظار؛ كمن يفتش عن مفتاح ضائع في أرجاء المنزل، أو عن إجابة بين سطور كتاب. فالعملية تفترض وجود الهدف مسبقاً، وتقتصر مهمة الباحث على بذل الجهد والتقصّي للوصول إليه.
​أما حين يُسقط هذا المفهوم على سوق العمل المعاصر، فنحن أمام مفارقة جوهرية: فالباحثون عن عمل لا يبحثون في كثير من الأحيان عن فرصة موجودة ينقصهم الوصول إليها، بل يبحثون عن شيء شحّ وجوده أصلاً. وهنا تكمن المعضلة؛ إذ يتحول السعي من تتبع لأثر قائم إلى ملاحقة لسراب الفرص.
​ومن هنا، فإن اختزال قضية عدم وجود فرص عمل في مفهوم «البحث عن عمل» واعتبار ذلك تقصيراً من الباحث أو ضعفاً في سعيه، يغفل حقيقة أن الطاقات البشرية، مهما بلغت كفاءتها وتأهيلها، لا تعمل في فراغ؛ فالمهندس لا يمارس مهنته بلا مشاريع، والإداري لا يجد مساحته بلا مؤسسة، والمتخصص لا يستثمر معرفته بلا بنية تحتية تحتضن مهاراته. وحين يغيب الكيان الذي يستوعب هذه الطاقات، يصبح «البحث عن عمل» حلقة مفرغة من تقديم الطلبات والتنقل بين المقابلات، سعياً وراء فرص لا يتجاوز عددها العشرات في مقابل آلاف المؤهلين.
​ولحل هذه المعادلة، ينبغي الانتقال من فلسفة «إدارة طلبات الباحثين» إلى فلسفة «صناعة الفرص وإيجاد الكيانات»؛ فالبديل الحقيقي يتطلب التركيز على تأسيس البنية الاقتصادية القادرة على استيعاب الكوادر. ويأتي في مقدمة ذلك المشاريع الحكومية التنموية الكبرى، وهي العمود الفقري لأي اقتصاد متين، إذ تفتح آفاقاً واسعة لاستيعاب تخصصات متنوعة: هندسية، وإدارية، وتقنية، وتشغيلية. ويأتي إلى جانبها الشركات الكبرى والهيئات الوطنية، بوصفها «قاطرات اقتصادية» تخلق وظائف مباشرة ومستدامة، وتوفر بيئة عمل راسخة تُبنى فيها الخبرات وتُصقل المهارات.
​ولا يقف دور هذه الكيانات عند حدود التوظيف المباشر، بل يمتد ليجعلها المحرك الأساسي لبقية القطاعات عبر سلسلة القيمة والقوة الشرائية. فهي تحفز المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إذ لا تعمل الكيانات الكبرى بمعزل عن بيئتها، بل تحتاج إلى شبكة واسعة من الموردين ومقدمي الخدمات والشركات الناشئة في مجالات اللوجستيات، والتكنولوجيا، والصيانة، والاستشارات، وبذلك يضمن وجودها تدفق عقود وأعمال تنعش هذه المنشآت وتكفل استمرارها.
​كما تنهض هذه الكيانات بالقطاعين الزراعي والغذائي؛ فالمشاريع الضخمة، بما تضمه من مجمعات سكنية وعمالية وشبكات إمداد، تتطلب تأمين الغذاء والمواد الخام، وتوجيه الاستثمار الحكومي نحو مشاريع زراعية وصناعات غذائية كبرى يخلق فرص عمل مباشرة في الأرياف والمناطق الزراعية، ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويفتح آفاقاً واسعة للتصنيع الزراعي وسلاسل التوريد. وفوق ذلك كله، تنشط الدورة الاقتصادية، فضخ الأجور والرواتب للكوادر العاملة فيها يرفع القوة الشرائية في المجتمع، فتنتعش الأسواق والخدمات والتجارة الداخلية.
​إن حل ملف التوظيف لا يكمن في مضاعفة منصات التقديم أو إعادة تدوير ورش كتابة السير الذاتية، بل في إيجاد المفقود الحقيقي وهي الكيانات الإنتاجية والمشاريع الاستراتيجية. ومتى وُجدت المؤسسات والمشاريع الكبرى التي تحمل رؤية تنموية واضحة، تحوّل البحث عن عمل من رحلة تائهة وراء ما لا وجود له، إلى مسار طبيعي يلتقي فيه طموح الشباب بالفرص الواقعية المتاحة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img