راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
سلطنة عُمان تتبع منذ عقود سياسة خارجية تقوم على ما تسميه “الحياد الإيجابي” أو “الصداقة مع الجميع وعدم العداء لأحد”. هذه السياسة، التي أرساها السلطان قابوس واستمرت تحت السلطان هيثم بن طارق، جعلت مسقط وسيطاً إقليمياً موثوقاً، قادرة على التواصل مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج وحتى أطراف أخرى. لكنها اليوم تواجه أشد اختباراتها منذ عقود، نتيجة حرب إقليمية واسعة النطاق اندلعت في أوائل 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وانعكاساتها على دول الخليج.
تعرضت عُمان لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت موانئ استراتيجية مثل الدقم وصلالة، وأصابت منشآت وخزانات وقود، مع إصابات محدودة. أعلنت مسقط أن هذه الهجمات “غادرة وجبانة”، وأن الجهات المختصة تتقصى مصدرها، مع التمسك بسياسة الحياد الفاعل ورفض الحرب برمتها. إيران نفت في بعض الحالات أو تحدثت عن وحدات عسكرية “مستقلة”، بينما رأى مراقبون أن الاستهداف كشف حدود “درع الوساطة” الذي كان يحمي عُمان سابقاً.
دول خليجية أخرى تنظر أحياناً إلى حياد عُمان بريبة، معتبرة إياه “حياداً سلبياً” خاصة في ملفات اليمن والحوثيين والعلاقات مع إيران. الحملات الإعلامية والنقاشات على المنصات تتكاثر، بعضها منظم ويستهدف تشويه المواقف العُمانية أو التشكيك في سيادتها وحكمتها. هذه الضغوط ليست جديدة بالكامل، لكنها بلغت مستويات غير مسبوقة بسبب الحرب.
في مثل هذه الأجواء يظهر تفاعل داخلي طبيعي بعض المواطنين ينخرطون في نقاشات مع النقاد الخارجيين أو يتبنون آراء تنتقد السياسة الرسمية، سواء بدافع الدفاع عن “الوسطية” أو بسبب قناعات مسبقة أو تأثر بالخطاب الإعلامي. هذا التفاعل قد يتحول أحياناً إلى اصطفاف أو دفاع عاطفي يخرج عن إطار الحياد الرسمي فيصبح أقرب إلى التحزب. الواقع أن سياسة الحياد دفعت عمان ثمناً ملموساً من تشكيكاً خارجياً، هجمات عسكرية، تهديدات، وتآكل جزئي لصورة “سويسرا الشرق الأوسط”. السؤال الذي يطرح نفسه هل الاستمرار في تقريب وجهات النظر والحياد الذي كلف الكثير ما زال يخدم المصالح العليا، أم أن المراجعة والوقوف المؤقت مطلوبان حتى تهدأ الموجة؟
هنا مطلوب تقييم موضوعي للخيارات مكاسب الحياد الإيجابي تاريخياً منها الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، مما سمح بدور وساطة فريد (مباحثات نووية سابقة، يمن، تقارب سعودي-إيراني) و تجنب التورط العسكري المباشر في صراعات الجيران، وحماية الاستقرار الداخلي النسبي وبناء صورة دولة حكيمة بعيدة عن الاستقطاب.
وهذا الامر له تكاليف منها خسارة الثقة الجزئية لدى طرفي الصراع الرئيسيين (واشنطن ترى ازدواجاً، وطهران قد ترى تقارباً غير كافٍ أو العكس) وضغط داخلي وخارجي قد يغذي الاستقطاب إذا لم يُدار بحذر وخطر أن يُفسر الصمت أو التوسط على أنه ضعف أو انحياز.
الحياد ليس عقيدة مطلقة هو أداة استراتيجية تخدم البقاء والاستقرار في بيئة محاطة بقوى أكبر. عندما يصبح الثمن أعلى من العائد (هجمات مباشرة + تهديدات وجودية محتملة + تآكل الدور الوساطي)، فإن المراجعة العقلانية ضرورية. هذا لا يعني بالضرورة الانحياز الكامل لطرف، بل قد يعني تعزيز الردع الذاتي، تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية، توضيح الخطوط الحمراء علناً عند المساس بالسيادة، وعدم السماح بأن يُستخدم “الحياد” كغطاء لقبول المساس بالأراضي أو المصالح الحيوية.
اما المعيار الواضح المطلوب يجب أن يرتكز على حماية السيادة والأمن الوطني أولاً (أي هجوم على الأراضي مرفوض بغض النظر عن المصدر) و المصالح الاقتصادية طويلة الأمد (مضيق هرمز، موانئ، استثمارات) و التماسك الداخلي ورفض الاستقطاب الذي يضعف الجبهة الوطنية والتقييم الواقعي لما يمكن تحقيقه دبلوماسياً في ظل توازن قوى متغير، لا القناعات المسبقة وحدها.
الهجمات الخارجية (الإعلامية) حقيقية وتستهدف النيل من المواقف السيادية أما التفاعل الداخلي فهو انعكاس طبيعي لمجتمع مفتوح نسبياً على النقاش، لكنه يحتاج إلى ضوابط وطنية واضحة تمنع التحول إلى اصطفاف سلبي. الوقوف قليلاً للمراجعة ليس ضعفاً؛ بل هو تبصّر و الاستمرار الأعمى في سياسة قديمة دون تكيف مع واقع جديد قد يكون مكلفاً أكثر و القرار النهائي يعود للقيادة والشعب على أساس المصالح العليا لا العواطف أو الضغوط الخارجية.
حفظ الله عمان وأهلها وسلطانها من كل شر والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة …


